مقالات

التسافلُ والإنحطاط..في ذكرى الثامنِ من شباط..!

الكاتب محمد الجاسم


محمد الجاسم ||

مرّت على الشعوب والدول تجارب مريرة بسبب تغطرس الحكام وأنانيتهم المفرطة للإمساك بالسلطة بأي ثمن،ولعل من أبشع تلك الأثمان القمع والسجون والتعذيب للمعارضين السياسيين واصحاب الرأي المخالف،ومن الطبيعي ان الطغاة يركبون ظهور البسطاء والمغفَّلين من الأفراد ،حين يكسبونهم الى تبني أفكار سياسية متطرفة تؤهل الحكام من الوثوب الى السلطة على حساب تضحيات أولئك المغفَّلين،وتجارب الشعوب تقول أن أسوأ أنماط الأفكار السياسية التي صنعت الديكتاتوريات الدموية في العالم كانت الأفكار القومية،نعم،كانت ثمة تجارب دموية عديدة صنعت طغاةً عتاةً متجبِّرين وقتلة ومجرمين،عن طريق الأفكار الشيوعية والماركسية اللينينة أيضاً.أما الأفكار الدينية،فقد استغلها التكفيريّون للإنقضاض على عقول ومقدرات المؤمنين القريبين من أفكارهم مذهبياً ،ليطيحوا برقاب أبناء المذاهب الأخرى ،تلبية لرغبات الطغاة والقادة.وكانت هذه الممارسات الشاذة قد نقلت البلدان من الحياة الطبيعية الى حياة التسافل والإنحطاط.
من أسوأ التجارب التي مرت على العراق هي تجربة حزب البعث العربي الإشتراكي،الذي أثبتت تجاربه في الحكم مرتين،في حقبة ستينات القرن الماضي،وما بعدها، انه بعيد جداً عن العروبة وعن الإشتراكية،بل كان حزباً خالياً من الأعراف السياسية والثقافية والأخلاقية والإنسانية.
تمر الذكرى الثامنة والخمسون لجريمة البعث في انقلاب الثامن من شباط العام الثالث والستين بعد التسعمائة والألف الميلادية في بغداد،التي تمخضت عن الإستيلاء على الحكم من قبل عصابة ميليشيوية مسلحة بأسلحة مصرية وأمريكية،تدعى (الحرس القومي)، شكَّلها حزب البعث المقبور للقضاء على حكومة العراق الفتية برئاسة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم،وقتله ورفاقه في دراما محاكمة صورية في قسم الموسيقى في إذاعة بغداد أمام الكاميرات،وشنت هذه الميليشيا حملة قمع منظمة وغير منظمة، شملت بالإعتقال والتعذيب والإعدام الفوري داخل أقبية السجون السرية والعلنية ،كلَّ من يقع في قبضتهم من أعداء الأمس من الشيوعيين والبعثيين(اليساريين) والإسلاميين والعسكريين الموالين لحكومة الزعيم.وقد رأيت بأمِّ عيني ،وأنا طفل في الروضة،بعمر خمس سنين وبضعة أشهر، كيف تحولت بناية روضة الأطفال الوحيدة في الناصرية،الى معتقل تتعالى من داخله صرخات المعتقلين من جراء التعذيب يسمعها كل من يمر في الشارع المؤدي الى السوق الرئيس في المدينة المسمى (سوق الصفاة).ولايمكن أن أنسى الصفعة القوية بكفِّ أحد البعثيين من الحرس القومي على خدّي ،وأنا طفل دون السادسة، يرتدي بدلة خاكية ويحمل بندقية (بورسعيد)الآلية الصغيرة ،وقال لي مع كلمات نابية:” وين مولّي يا إبن (الكذا)..مو تعرف ممنوع التجول”..أجبته مرتعداً:”عمو راح أجيب دهن من الدكان لأمي”..نهرني :”ارجع بسرعه للبيت..أنعل أبوك لابو أمك “.أما شقيقي الفنان الراحل حيدر الجاسم(فنان تشكيلي ومهندس معماري طائرات في شركة بوينغ الأمريكية)،فقد اعتقلوه من فراشه أثناء النوم ليلاً في القسم الداخلي لمعهد الفنون الجميلة أثناء دراسته في المعهد الكائن في محلة الكسرة من ضواحي الأعظمية،البناية التي يشغلها حالياً أحد أقسام كلية الفنون الجميلة،وبعد تحقيق قاسٍ من التعذيب والإهانة،أطلقوا سراحه في اليوم التالي.أما أخي الراحل الضابط والشاعر والقانوني والمترجم(ماجد إطيمش)فقد اعتُقل من وحدته العسكرية في معسكر الرشيد ،وهو برتبة ملازم،مع نخبة من الضباط الأحداث خريجي الدورة الأربعين في الكلية العسكرية،وجرى التحقيق معهم بشكل قمعي وعنيف،دون توضيح تهمة واضحة،سوى أنهم آخر دورة تخرجت في عهد الزعيم الراحل.
كل مايُسمع ويشاع عن قيادات بعثية إصلاحية داخل التنظيم الإرهابي الإرعابي في تلك الفترة ،كان عبارة عن صراع داخلي بين قادة ميليشيا الحرس القومي الذين شكلوا نظام حكم دموي رهيب غير قادر على حماية السكان المدنيين العراقيين بشكل فعال من اعتداءات واعتقالات عشوائية أو ممنهجة،وكان صراعاً بين تلك الأطراف من جهة وبين ميليشيات الحزب الشيوعي العراقي التي كانت تدعي الدفاع عن ثورة الزعيم،في الظاهر،وفي الحقيقة أنهم كانوا يسعون للنزوّ على السلطة،والدليل على ذلك شعارهم المشهور( عاش زعيمي..عبد الكريمي..حزبي الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي).
ورُبَّ قَوْل..أنْفَذُ مِنْ صَوْل !
ناصرية ـ دورتموند/ألمانيا
8شباط2021

عن الكاتب

محمد الجاسم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.