مقالات

فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ

محمد عبد الجبار الشبوط ||

تصورتُ انه العراق وانا اقرأ هذه الاية من القران الكريم: “وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ”.
تخيلت ان كلمة “مَنْ” تشير الى العراق.
و “يُشْرِكْ بِاللَّهِ” تشير الى الخلل الحاد في المركب الحضاري ومنظومة القيم العليا الحافة بعناصره الخمسة. فالشرك بحد ذاته خلل عقلي حاد. فانك اما ان تؤمن بوجود خالق للكون فتوحده، او لا تؤمن بوجوده فتوحد انكاره، اما ان تؤمن بوجود خالق لابد ان يكون اعظم مما خلق، ثم تشرك احد مخلوقاته في عبادته فهذا خلل عظيم. وجوهر توحيد الله هو الايمان بمنظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري و المنتزعة من صفاته، واتخاذها مؤشرات للسلوك وبناء العلاقة بين الانسان واخيه الانسان، وبين الانسان والطبيعة، وهي العلاقة التي تثمر نتيجتين مهمتين في حياة الانسان وهما: وفرة الانتاج وعدالة التوزيع.
ومشكلة العراق اليوم هي هذا الخلل الحاد في المركب الحضاري ومنظومة القيم العليا الحافة بعناصره الخمسة.
وكأن الاية القرانية تصور العراق بهاتين العبارتين:
“خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْر”
“أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ”
وفي الحالتين فان العبارتين تشيران الى سقوط سريع للعراق في هاوية عميقة، والسبب هو الشرك. واعني بالشرك، في وصف الحالة العراقية، تمزق المجتمع العراقي الى شيع وطوائف واحزاب، لكل واحدة منها اله يُعبد من قبل شريحة من المواطنين الذين تخلوا عن توحيد العراق بالمحبة والانتماء والولاء، فتعددت انتماءاتهم، وتوزعت مشاعرهم، وتمزقت صفوفهم “طَرَائِقَ قِدَدًا”، كما وصف به الجن انفسهم. ووجدت ان هذا الخلل في المركب الحضاري فعل بالعراقيين ما فعله “آلُ فِرْعَوْنَ” في بني اسرائيل حسب رواية القران الكريم الذي يقول عنهم:”يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ؛ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ، وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ”.
العراق “خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ”، بسرعة رهيبة، وبدون مظلات تقلل سرعة الهبوط، وفي اثناء سقوطه السريع “تَخْطَفُهُ الطَّيْر”، وهم قادة الكتل والطوائف والكيانات والمكونات والاحزاب والجماعات، وسيكون مصيره اذا لم يسارع الطيبون من ابنائه الى انقاذه ان “تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ”. وسوف تستقبله في المكان السحيق، وهو الهاوية العميقة، الحربُ الاهلية، التي يقتتل فيها الجميع ولا يتحقق فيها النصر لاحد.
وبقدر ما تكون صورة السقوط واضحة، وهي الخلل الحاد في المركب الحضاري ومنظومة القيم الحافة به، فان المخرج منها واضح. وهنا استعير مرة اخرى جملة قرانية تنطبق على حال العراق، وهي:”وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا”، واسارع فاقول ان “حبل الله” هو كناية عن توحيد القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري وعناصره الخمسة، اي الانسان والارض والزمن والعلم والعمل. فالقيم العليا الحافة بالانسان هي المواطنة والعدالة والحرية والمساواة والكرامة والحقوق والواجبات، والقيم العليا الحافة بالارض هي حب الوطن والدفاع عنه واعماره واستثمار خيراته، والقيم العليا الحافة بالزمن هي التخطيط له واستغلاله في الخير العام، والقيم العليا الحافة بالعلم هي طلبه ونشره واستخدامه في البناء الامثل للحياة المرفهة السعيدة، والقيم العليا الحافة بالعمل هي المبادرة اليه والتنافس فيه من اجل الخير. وغير ذلك من القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري التي تضمن تحقيق افضل تفاعل بين عناصره الخمسة. بمقدار ما يقترب الانسان من منظومة القيم يكون اقدر على بناء الحياة الطيبة له ولابنائه؛ وبمقدار ما يبتعد عنها تقسو عليه الحياة ويزداد المه وشقاؤه وتعاسته. واذا كان عامة الناس لا يدركون هذه الحقيقة الواضحة والبسيطة، فان على “الاقلية المبدعة” ان توضحها لهم وتدعوهم اليها.

عن الكاتب

محمد عبد الجبار الشبوط

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.