ثقافية مقالات

لن يغادر الشعراء..!

الكاتب حمزة مصطفى


حمزة مصطفى ||

لم يجب أحد بمن في ذلك عميد الأدب العربي طه حسين على سؤال عنترة بن شداد “هل غادر الشعراء من متردم”. العميد تجاهل عنترة “في الشعر الجاهلي” . لكن بقي سؤاله باحثا عن جواب. والجواب عندي لا عند العميد.

الشعراء لم يغادروا ولن يغادروا حتى ولو تبعهم كل الغاوين على مر التاريخ. لبيد بن ربيعة العامري تجاهله العميد هو الآخر فبقي يبحث عن ترجمان يسعفه بعد أن فقد حاسة السمع بعد بلوغه الثمانين.لوكان فقد الشم لتبرأت ووهان من دم الخفاش ناقل كورونا.
إمرؤ القيس أمير شعراء الجاهلية بقي واقفا عند الإطلال يبكي “ذكرى حبيب ومنزل” بعد أن تجاهله صديقه القيصر بمنحه ملكا فمات في طريق العودة بعد أن تكفل صديقه هذه المرة بالبكاء. طرفة بن العبد الذي لم يكن يعرف “يفك الخط” بقي حلمه “يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد” عند الحدود الجغرافية للعشيرة التي تحامته مثل “البعير المعبد”.

النابغة الذبياني هام في المتجردة زوجة النعمان بن المنذر.فلدى خروجها من الحمام حيث لابانيو ولا شاور آنذاك “سقط النصيف” من على جسمها المبلل بالماء. فتبلل النابغة من قمة رأسه حتى أخمص قدميه لهول ما رأى. ربما يكون إكتفى ببيت واحد “سقط النصيف ولم ترد إسقاطه .. فتناولته وإتقتنا باليد”.

لكن الرواة فيما بعد وعلى رأسهم حماد الراوية عملوا الأفاعيل فنحلوا عنه قصيدة متهتكة يصف فيها المتجردة عارية معرية. الحطيئة لم يغادر وجهه الذي رآه منعكسا في البئر فأكتشف إنه قبيح فهجى نفسه قائلا “أرى لي وجها شوّه الله خلقه .. فقبح من وجه وقبحّ حامله”.

عمر بن أبي ربيعة بقي حائرا بين الأخوات الثلاث بدء من الكبرى التي قالت “أتعرفن الفتى” الى الصغرى التي قالت “وهل يخفى القمر”.
ربما وحدهم السليك بن السلكة والشنفرى ومن معهم من رهط الصعاليك حتى زمننا الحاضر حيث عبد الأمير الحصيري وجان دمو ونصيف الناصري غادروا نمطية ماعليه المجتمع من ثوابت. الشنفرى مال الى ماعده أقواما أفضل من البشر ” في الأرض منأى للكريم عن الأذى .. وفيها لمن رام القلى متعزل”.

وبينما لايزال نصيف الناصري يعمل زبالا في السويد تنتظره كل مساء الشفيعة بحلة جديدة, فلقدغادر جان دمو وتركنا حائرين في قصيدة من عنوان فقط .. هل هو “الجلد الذي سافر في القطار ونسي أن يقول للبروفيسور نعم” أم “الفيلسوف”.
لم يكن شعراء الواحدة أفضل حالا من سابقيهم أولاحقيهم. فإبن زريق البغدادي حين هم بالمغادرة تذكر أن له في كرخ بغداد قمرا “من فلك الأزرارمطلعه”. أما مالك بن الريب فحين شد رحاله غازيا في جيش إبن عثمان تذكر “وادي الغضا” لكي يزجي “القلاص النواجيا”. الرحلة توقفت في منتصف المسافة بعد أن لدغته الأفعى فراح يسابق السم في رثاء نفسه. لم تسعفه الذكريات. وحين بحث عمن يبكي عليه لم يجد “سوى السيف والرمح الرديني”. في اللحظة الفارقة بين الموت وماتبقى من الحياة أسدل الستار على نفسه ببيت نادر من عيون الشعر “يقولون لاتبعد وهم يدفنوني .. وأين مكان البعد الإ مكانيا”. هنا توقفت الرحلة تماما. سرى سم الحية في الجسد الميت باعثا فيه عشبة الخلود. كان كلكامش سبقه في البحث عنها.

عن الكاتب

حمزة مصطفى

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.