مقالات

المتاجرون في الجيش الجديد والعقيدة العسكرية


مرتضى مجيد الزبيدي ll

ان معظم جيوش العالم، ان لم تكن جميعها، يبنى أساسها على مبان عقائدية، ومباديء وخلفيات سامية، يستمد منها قوته القتالية المعنوية، بالإضافة الى انها تشكل دافعا للتعبئة والمواجهة اثناء الحروب والمعارك، او تكون سببا في تدخل الجيش لتفادي الازمات، من هنا برز مصطلح العقيدة العسكرية، وبالرغم من اننا نمارس العقيدة العسكرية في حياتنا العامة بشكل كبير، الى ان مفهومه مازال مجهولا لدى الكثير من الناس،
بعد البحث وجدنا ان العقيدة العسكرية مصطلح مألوف في تاريخ الجيوش، للدلالة على المستوى الاستراتيجي، وهو مجموعة من القيم والمباديء الفكرية التي تهدف الى إرساء الأفكار وعلوم الحرب لتحدد بناء واستخدامات القوات المسلحة في زمن الحرب والسلم بما يخدم او يحقق الأهداف الوطنية، ويركز على المستوى الاستراتيجي ويعطيه اهتماما خاصا كونه أساسا لبقية مستويات العقيدة.
لابد من الاشارة الى ان العقيدة العسكرية تبنى على أساس العقيدة الشاملة للدولة، وتكمن أهمية العقيدة في انه لا تستطيع أي قوة عسكرية خوض مواجهة او معركة من دونها كونها العمل الأساس الذي ترتكز عليه الثقة كما يشار الى ذلك في فن الحرب (اذا توافرت الثقة بالنصر تقرر الدخول في مواجهة العدو) *فن الحرب، سون تزو، ترجمة محسن فرجاني،القاهرة فبراير 2010، ص204 باب التجنيد والتعبئة
في الحقيقة تلك العقيدة تحتاج الى وقت وفير، لإرساء مبادئها وتدعيم أسسها، وهذا ما حصل مع جميع الجيوش ذات العقيدة المتينة، ومنها جيوش الدول الكبرى التي تحتل المراتب الأولى، في تصنيف الجيوش العالمي، فقد اخذت الجيوش وقتا كافيا حتى وصلت الى ماهي عليه اليوم، من عقيدة وصلابة وفكر، معتمدة في عقيدتها العسكرية على مصادر عديدة منها (العقيدة الشاملة للدولة، الدروس المستفادة من الماضي، التطور التقني، مصادر التهديد والتغيرات المستمرة في النظام العالمي، طبيعة الحرب القادمة، الاستراتيجية العسكرية للدولة، طبيعة الدولة الجغرافية، المهام الحالية والمستقبلية).
لكن برزت مؤخرا قوة قتالية سيادية، فاقت بعقيدتها العسكرية جيوش العالم، ذات التأريخ والقدم والخبرة، هنا وسط الشرق الأوسط، تحديدا في العراق، تشكلت قوة عسكرية قتالية، وانطلقت للمواجهة بغضون ساعات، خاضت اشرس أنواع المعارك، وحققت نتائج مثالية، وانتصارات متتالية، بوقت قصير، هذا يحتاج الى عقيدة راسخة، ففي المعتاد تدرس مادة العقيدة العسكرية، في الدورات والكليات العسكرية وكليات الأركان، إلا أن قوات الحشد الشعبي، عندما انطلق متطوعوها لم يتعلموا شيئا من تلك العقائد العسكرية، وبذات الوقت فاقت عقائدهم عقائد الجيوش الرصينة، واصبحوا مدرسة يحتذى بها في العقائد والمعنويات وسايكلوجية المقاتلين.
هذا تترجم من خلال ما خاضته قوات الحشد من معارك، وما حققته من نتائج، كتحرير جرف النصر والفلوجة مثلا، او القتال في مكحول وحمرين، وتلك مناطق عجز الجيش الأميركي مسبقا عن القتال فيها، او الدخول اليها، والجيش الأميركي معروف بإمكانياته وكفاءته، فالبعض يصنفه الجيش الأول على مستوى جيوش العالم، فما هو تصنيف من يفوقهم عمليا وعسكريا وهو اقل خبرة وعدة وامكانيات؟، حرب قال عنها الخبراء، انها تمتد لسنوات طويلة، عندما اجتاحت عصابات الارهاب بعض المدن العراقية، ولرئيس الولايات المتحدة الاميركية الاسبق (باراك أوباما) تصريح معروف بهذا الشأن، إلا انهم حسموا الحرب واعلنوا النصر والتحرير في بضع سنيات،
بكل بساطة جميع النجاحات والانجازات، كانت بفضل العقيدة العسكرية التي تحملها هذه القوات المسطرة للملاحم، ولأن عقيدتهم العسكرية تنطلق من أمرين اساسيين، الأول هو البعد العقائدي الديني، فقوة تؤمن بالله عز وجل، وتخرجت من مدرسة عاشوراء، لا تهزم ابدا، والأمر الثاني هو البعد الوطني، وروح التضحية في سبيله، وفي سبيل الشعب المظلوم، ومعروف هذا عند العراقيين، مدى التضحية والحماس والعطاء، ذلك على عكس بقية العقائد العسكرية، التي تقوم على اساس واحد، هو العقيدة الوطنية، ان كانت في الدفاع او المواجهة، ودوافع الهيمنة او السيطرة.
ذكر فن الحرب ايضا ذلك، حيث يرى مؤلفه الفيلسوف الصيني، والخبير العسكري، سون تزو، انه يجب (ان يتم العمل ايمانا بواجب التضحية، منذ الساعة الأولى التي يقرر فيها موعد القتال، على دفع الروح المعنوية للجنود، فتلك الوسيلة الى استثارة حماس المقاتلين، وايقاظ الشعور بالإقدام والقوة) وهذا يقصده سون تزو ما قبل الحرب اي في التحضيرات الأولية، لكن مقاتلي قوات الحشد لم يحتاجوا الى ذلك، فهم ذهبوا الى الحرب بكل قوة واقدام، بدافع التضحية، حيث ان الكثير منهم كتب وصيته ورحل، دون ان يفكر انه سيعود سالما، في الواقع مثل هذه القوة يستحيل التغلب عليها، بأي ظرف كان.
نعم قد تكون هناك مباغتة بسيطة، او كمين صغير، يتسبب باستشهاد ثلة من المجاهدين، لكن في المجمل العام، العلم العسكري يقول يصعب التغلب على مثل هذه الجيوش، وقد صنف العلم العسكري الجيوش العالمية الى خمسة انواع، الأول يتسم بالجراءة والإقدام، والثاني يتميز بالغرور والصلف، والثالث يتصف بالتصلب والعناد، اما الرابع فمتردد هياب، والخامس ضعيف متخاذل.
ما يراه الخبراء في العلم العسكري والاستراتيجي، ان قوات الحشد تميزت بجمعها للصفة الأولى، (الجراءة والإقدام) في المواجهة، والثالثة (التصلب والعناد) مع العدو، ويتسم بشيء من الميزة الثانية (الغرور والصلف)، نعم جيش لا ينكسر باستشهاد القائد، وكلما اعطى شهيدا ازداد همة وعزيمة، هو حقا متصلف ومغرور، لكنه اعتلى قمة التواضع، بالتعامل مع ابناء قومه واخوته، كل المعطيات تشير الى ان الحروب قد لا تتوقف في زمن ما، والجيوش على مر السنين يغلب احدها الأخر، مع القوة السيادية للحشد الأمر مختلف تماما، من غير المتوقع ان يخسر في يوم ما، لذلك تتعمد القوى الغاشمة، الى خلق الصراعات الداخلية، كي تقحمه فيها، او زرع الفتنة، إلا أن حكمة القوات الأبية فاقت ذلك بكثير،
من حيث المنطق جيش يستند على قضية (والله لا أعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا اقر اقرار العبيد) ومبدأه (هيهات من الذلة) كيف له ان يهزم؟
والقرآن الكريم اختصر الموضوع في الأية (111) من سورة التوبة {ِإنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} اذا هم يتاجرون مع الله سبحانه وتعالى بكل إيمان واعتقاد ((وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)) قد وعدهم الله جل ذكره بالنصر والجنة وخير الواعدين هو تعالى لخير متاجرين ومجاهدين.

عن الكاتب

مرتضى مجيد الزبيدي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.