مقالات

في ذِكرىٰ زَمَنِ الشّهادةِ..ألمٌ يتوجّعُ وجرحٌ يتجدّدُ


أ.د علي الدلفي||

لا أريدُ اختلاقَ الأقاويلِ وابتداعَ التّعابيرِ؛ لأنسجَ قصصًا وأحيكَ خيوطها مِنْ أجلِ أنْ أسردَ بطولاتٍ (وهميّةً) زائفةً يعودُ زمنها إلىٰ (زمنِ صدّام)! فلا أنا مِمّن حملَ السّلاحَ ووقفَ بوجهِ الطّاغيةِ ونظامهِ العفلقيّ الكافرِ؛ ولا أنا مِمّن كانَ مُنتميًا؛ سرًّا؛ لحزبِ الدّعوةِ (العميلِ)؛ أوْ مُنظّمةِ بدر (الكافرةِ)؛ أوْ لجماعةِ الأسرىٰ التّوابينَ؛ أوْ أحدِ (المُخرّبينَ) المُجاهدينَ الذينَ اتّخذوا مِنَ الهورِ والقصبِ ملجأً لهم ليقارعوا البعثَ ونظامَهُ؛ أوْ كنتُ أحدَ الرّجالِ (الغوغائيّينَ) الأبطالِ الذينَ شاركوا في الانتفاضةِ الشّعبانيّةِ في الـ(١٩٩١م) ضدَّ الطّاغيةِ وزمرتهِ المُجرمةِ… .
ولكنْ (أنا)؛ بكلِّ صدقٍ وأمانةٍ؛ كنتُ أقاومُ بالرّفضِ والامتناعِ عنِ الحضورِ إلىٰ المقارِّ الحزبيّةِ؛ وجيشِ (القُدسِ)؛ وكنتُ مُواظبًا علىٰ زيارةِ الأئمّةِ (عليهم أفضلُ الصّلاةِ والسّلامِ) والمراقدِ المُقدّسةِ؛ وأحضرُ المجالسَ العاشورائيّةَ والمآتمَ الحُسينيّةَ؛ باستمرارٍ؛ رغمًا علىٰ أنوفِ (الصّدّاميّينَ) البعثيّةِ. كُنتُ؛ كثيرًا؛ ما أتحدّثُ بصورةٍ سرّيّةٍ؛ مَعَ الأصدقاءِ المُقرّبينَ عَنْ همومنا وما نتعرّضُ لهُ مِنْ ظلمٍ؛ واضطهادٍ؛ وقتلٍ واستبدادٍ مِنْ لدنِ نظامِ (صدّام) وبعثهِ السّاقطِ.
إلىٰ أنْ اتّخذتُ قرارَ المُواجهةِ وجهًا لوجهٍ بعدَ أنْ خلعتُ (التّقيّةَ) ولبستُ نزعةَ الشّبابِ وعنفوانَهُ؛ فحضرتُ (صلاةَ جُمعةِ التّحدّي) في زمنِ الشّهيدِ مُحمّد الصّدر؛ الذي تعلّمتُ منهُ درسَ: (مُعاندةِ السُّلطةِ الغاشمةِ الجائرةِ القاتلةِ للنفوسِ الطَّاهرةِ وللشّعبِ البريءِ والمظلومِ).. . ومَعَ أنّني في وقتها كُنتُ مِنْ مُقلّدي السّيّدِ السّيستانيّ؛ وعندما اُستشهدَ (قُدِّسَ سِرّهُ) وقفتُ أمامَ جامعِ المُحسنِ (ع) في مدينةِ الصّدرِ معَ الأصدقاءِ والأحبّةِ مِنْ مُقلّدي السَّيِّدِ الصّدرِ (رحمهُ اللهُ)؛ وكُلّي ألمٌ؛ واستنكارٌ؛ وتحدٍّ؛ لصدّامِ المُجرمِ وبعثهِ الكافرِ!! لَقَدْ كُنتُ أحدَ شهودِ العيانِ علىٰ مجازرهِ وجرائمِهِ ضدَّ شيعةِ العراقِ؛ ومنها: هدمهُ لبيوتِهم وأرزاقهم بـ(الشفلات) وبحضورِ جلاوزتِهِ مِنَ البعثيّةِ؛ ورجالِ الأمنِ؛ وضبّاطِ المُخابراتِ. ولا سيّما بعدَ اغتيالِ الشّهيدِ الصّدرِ واثنينِ منْ أبنائِهِ في مثلِ هذا اليومِ مِنْ عامِ (١٩٩٩م) وقتها كنتُ طالبًا في جامعةِ بغداد؛ في كُلّيّةِ التربيةِ الأولىٰ ابن رشد؛ قسم اللُّغةِ العربيّةِ؛ في المرحلةِ (الثّالثةِ).
وَمِنْ نِعَمِ اللهِ عليَّ أنّه قَدْ أطالَ في عمري؛ لأنْ أرىٰ نهايةِ (أخو هدلة!) في جحرِ الجريذيّةِ!!
في ذِكرىٰ الشّهادةِ (الثانيةِ والعشرينَ) أقولُ: مَعَ كلِّ ظواهرِ الفسادِ المُستشري؛ والسّرقاتِ العلنيّةِ والسّرّيّةِ؛ والتّقصيرِ والقصورِ في إدارةِ الدّولةِ وأركانِهَا؛ وسوءِ الإدارةِ في مؤسّساتِ الحكومةِ ودوائرِها؛ وفرضِ نظامِ المُحاصصةِ الحزبيّةِ والطّائفيّةِ والقوميّةِ؛ وغيابِ العدالةِ الاجتماعيّةِ؛ وانعدامِ الخدماتِ المُتنوّعةِ؛ وغيرها منَ الظّواهرِ السّلبيّةِ التي أفرزتها (العمليّةُ السّياسيّةُ) بعدَ سقوطِ الطّاغيةِ عام (٢٠٠٣م)؛ والتي نرفضها رفضًا قاطعًا ونستنكرها استنكارًا تامًّا؛ وندعو للوقوفِ ضدِّها ليلًا ونهارًا؛ تبقىٰ أهونَ الشّرِّ بكثيرٍ بكثيرٍ مِنْ يومٍ واحدٍ نعيشُهُ في ذلكَ (الزّمنِ الجميلِ) زمنِ قتلِ العُلماءِ العَاملينَ وَجَهَابِذَةِ الفقهِ والدّينِ؛ وزمنِ الإبادةِ الجماعيّةِ؛ إذْ ماذا نقولُ لمنْ كانَ شاهدًا علىٰ (جريمةِ الكيمياويّ) وما قامَ بهِ الطّاغيةُ وأخوهُ (عليّ كيمياوي) ضدَّ شعبنا الكرديّ بكلِّ شرائحِهِ وفئاتِهِ في (حلبچة)؛ لا لسببٍ ما!! فقط ليتحدّىٰ طغيانهُ!! وَهَلْ يستطيعُ أحدٌ مِنَّا أنْ يسوّغَ جرائمَ (صدّام) ضدَّ (الشّيعةِ)؟! وَقَدْ وصلَ بهِ إجرامُهُ؛ لأنْ يدفنهم أحياءً ويقتّلَ علماءَهُمْ! وكيفَ لنا أنْ ننسىٰ أوْ نتناسىٰ أحداثَ الانتفاضةِ الشّعبانيّةِ في الـ(١٩٩١م)؟! إذْ يكفي أنّه أمرَ زوجَ ابنتهِ (وغَد) المقبورَ المسعورَ (حسين كامل) بهدمِ العتباتِ المُقدّسةِ في كربلاءِ علىٰ مَنْ فيها؛ وهو القائِلُ: (إنتَ حسين وآني حسين)!! وشتّان ما بينَ الاثنين… . أوْ ما قامَ بهِ في (مدينةِ الصّدرِ) بَعْدَ استشهادِ السَّيِّدِ الصّدرِ الثاني (صاحبِ ذِكرىٰ الفاجعةِ الأليمةِ)؛ إذْ وصلَ بالبعثيّ الصّدّاميّ المجرمِ (لطيف نصيّف جاسم) أنْ أرادَ أنْ يضربَ (المدينةَ) بالصّواريخِ بعدَ أنْ فتكَ بأهلها فتكًا!!
أخيرًا للتاريخِ أقولُ: يمثّلُ زمنُ (البعثِ ونظامهِ الصّدّاميّ) الحقبةَ التّاريخيّةَ الأكثرَ: إجرامًا؛ وظلمًا واستبدادًا؛ ودمويّةً؛ وانتهاكًا لحقوقِ الإنسانِ؛ وتكميمًا للأفواهِ؛ وانعدامًا للحرّيّاتِ؛ ورفضًا للرأي الآخر… . إنّه عهدُ الدّيكتاتوريّةِ المقيتةِ وزمنُ العراقيّينَ (الجميلُ) !!! حكمهم الطّاغيةُ بالسّيفِ والنّارِ؛ والقتلِ والتّشريدِ؛ والفقرِ والجوعِ؛ والظّلمِ والاضطهادِ… . وَمَعَ ذلكَ كلّهِ فَقَدْ انبرىٰ لهُ شهيدُ الجمعةِ؛ واقفًا بكفنِهِ؛ ثائرًا بوجهِهِ؛ شامخًا بعمامتِهِ؛ هادرًا بصوتِهِ؛ فكانَ (رحمهُ اللهُ تعالىٰ) صانعًا للرجالِ؛ وراكزًا للقلوبِ.
في ذِكراهِ أقولُ إنَّ العراقَ قطبُ رحىٰ الشّرقِ حاضرًا؛ ومركزُ العالمِ مُستقبلًا… ولا يليقُ بِهِ ما هو فيهِ؛ الآن؛ مِنْ (غيابٍ للدولةِ؛ وضياعٍ لنظامها السّياسيّ)؛ ولهذا يستلزمُ علاجًا سريعًا وحلًّا عاجلًا للنهوضِ بِهِ؛ وحمايتهِ مِنْ (فسادِ) الدّاخلِ و(تآمرِ) الخارجِ.

عن الكاتب

د.علي الدلفي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.