مقالات

هل البعث دين..أم حزب؟!


رياض البغدادي ||

قررت اليوم أن أُرجئَ الحديث عن جرائم البعث في العراق ، التي لا يمكن احصاؤها ، وأتفرغ للحديث عن مفردة من مفردات العقيدة البعثية ، التي أرتكزت عليها آيدلوجيتهم الفكرية ، وأعني بها – القومية العربية – ، فمما لا يخفى ان عصابات البعث تؤمن ايماناً راسخاً بعقيدة القومية العربية التي وضع تنظيراتها الفكرية ، مؤسس البعث (المفكر الارثوذكسي السوري) ميشيل عفلق الذي يُعّرف القومية العربية في كتابه (في سبيل البعث) قائلاً: ” ان القومية العربية بوصفها جوهرَ و عطىً ميتافيزيقياً يؤثِر في الأحداث دون أن يتأثر بها “، ويرى قسطنطين زريق، هذه القومية في كتابه الوعي القومي، قائلاً ” أن القومية في جوهرها ليست سوى حركة روحيّة ترمي إلى بعث قوى الأمة الداخلية” ..
فكل من يؤمن بهذه العقيدة الماسونية، التي لم تكن قومية بالمعنى العلمي والتأريخي والواقعي للكلمة، لا يكتفي بأن يكون البعث منهجاً سياسياً ، كما هو المعتاد من اهداف الاحزاب السياسية ، ومن يراجع تنظيرات البعث والتقارير الختامية لمؤتمراتهم القطرية ، سيجد انهم يضفون على القومية العربية مسوحات روحية ، ترقى بالحزب الى ان يكون بديلاً لديانات اعضائه المنتمين له ، ويُعَرِّفون البعثي الكامل بأنه البعثي الذي يكون البعث متقدماً على كل انتماء اخر ينتمي له ، وبالخصوص الديانة والبعد الروحي للفرد ، وهذا يكشف ان افكار هذا الحزب انما بنيت لتكون بديلاً عن الاسلام كدين ،بل وبديلاً عن جميع الاديان.
أن فكرة القومية العربية التي بنى البعث عليها آيدلوجيته الفكرية، تُعد من أخطر المفاهيم الحديثة وأكثرها قابلية للانحراف، لما تتضمنه وتنطوي عليه من عصبية وعرقية، تقود إلى حروب خارجية، وإلى اضطهاد وإقصاء للأقليات التي لا تنطبق عليها مقومات القومية العربية ، بحسب هالة التقديس التي يحيطه بها الفكر البعثي – العفلقي .
ان القوميّة العربية ( البعثية – العفلقية ) تفترض للعرب هوية ، تتحدد من خلالها للشعوب العربية خصوصية في مقابل غيرها من الشعوب والأمم الأخرى، تضفي نوعاً من العظمة على الهويّة القومية العربية المزعومة للشعب العربي، وتبرز أفضليته على غيره من القوميات الأخرى التي تمثِّل ( بالضرورة ) خطرًا مزمنًا مباشرًا أو غير مباشر على وجوده القومي العربي ، مما جعل القومية العربية بحسب هذا الفكر المتطرف مبدأً عنصرياً مقيتاً ،كما شرح ذلك بدقة المؤرخ البريطاني ( إريك هوبسباوم ) في كتابه ( Nations and Nationalism since ) الذي درس طبيعة الترابط بين القومية والعنصريّة، وافترض أن العلاقة بينهما عضوية واضحة ، وهذا الافتراض للاسف اصبح حقيقة لا يمكن الجدل فيها ، لمن عاش في زمن ( جمهورية الخوف البعثية في العراق ) في كلا مرحلتيها ،الاولى التي امتدت لخمس سنوات من العام ١٩٦٣ ،والثانية بعدها لخمس وثلاثين سنةمن حكم البعث الى يوم هزيمته الفاضحة في العام ٢٠٠٣ .
ان العالم المتقدم شخّص سلبيات بناء الدولة وفق المنهج القومي ، بعد ان عرفه جيدًا وقدم في سبيله الملايين من الضحايا ، فلا يخفى أن فكرة القومية كانت المنطلق الأساس لظهور الديكتاتوريات الأوروبية، وبخاصة النازية الهتلرية في ألمانيا، التي غذّت النزعة القوميّة معتبرةً أن قوميتها هي الأرقى والأقوى والأجدر بالحياة وفق شعار “ألمانيا فوق الجميع”.
ويُظهر لنا التاريخ بوضوح أن التجارب القومية العنصرية -على اختلافها- هي أكثر مَنْ تغنى بفكرة القوميّة وألّهها، وحينما وصلت إلى العرب ، على يد ميشييل عفلق كانت بكامل حلتها الأيديولوجية العنصرية.
ان الخطر الذي تمثله القومية العربية ،التي اسس لها البعث في العراق ، بممارساته العنصرية ،والتعالى على الشعوب والامم الأخرى ، لم يكن الاخطر بأية حال من الاحوال ، بل ان الخطر كل الخطر يكمن في مشكلة التمييز بين أبناء البلد الواحد، التي شهد لها التاريخ ،بل ونعيش فصولها وآثارها المدمرة الى اليوم ، ولعل أبرز حالات الاضطهاد قد لحقت بالكرد، ففي دولة البعث العراقيّة، وصلت حدود العنصرية والتمييز الممارسين ضدهم إلى حد المجازر، كما حصل في حلبجة في العراق، بالهجوم الكيمياوي على المدينة في العام 1988 وعمليات الانفال التي مُسحت بها مدن وقرى من وجه الارض ، وعمليات التهجير القسري للشيعة الكرد الفيليين وقتل الآلاف من ابنائهم الذين احتجزهم النظام في معتقل نقرة السلمان ، اضافة الى ما لحق التركمان من مجازر ، فالقمع والإقصاء والتهميش للأقليات القومية الأخرى في العراق ، أصبحت ثقافة عامة ، ولا يخجل كبار مسؤولي الدولة إبان حكم البعث ، ان يعبروا عنها بكل اريحية من خلال وسائل الاعلام ..
والأخطر من ذلك كله هو الطريقة التي إتبعها البعث في توزيع مسوح القومية العربية على العراقيين ، فعرب الجنوب لم يكونوا عرباً اقحاحاً بحسب الفكر العفلقي ، لانهم لم يستسيغوا ايمانهم المذهبي وارتباطهم الشديد بأهل البيت عليهم السلام ، فالعربي بحسب الآيدلوجية البعثية ، يجب أن يتخلى عن كل ما يؤمن به ، او على الاقل ان يتقدم ايمانه بالبعث على كل ايمان آخر ، وهذا ما لا يمكن ان يكون الطريق اليه سهلاً في الوسط الشيعي المتفاني في ارتباطه العقائدي بمحمد وآل محمد صلوات الله عليهم اجمعين ..
وفي الختام اود ان اقول اني لم آتي بجديد عندما كشفت اللثام عن موبقة من موبقات الفكر البعثي ، لكني وجدت ان هناك ابواقاً جديدة للبعث بدأت تعزف على لحن آخر ، لم يكن مطروقاً سابقاً ، وهو اللحن الذي عزف عليه السيد محمود المشهداني الرئيس السابق لمجلس النواب العراقي في لقاء تلفزيوني قال فيه : ” ان البعثيين الجدد يودون ان تتاح لهم فرصة المشاركة السياسية ، لانهم يعترفون بفشل النظام الصدامي السابق ، وليس من العدل تحميل البعثيين الجدد مسؤولية جرائم ذلك النظام ” ..
أقول للسيد محمود المشهداني : ان البعث هو شكل من أشكال النازية العنصرية ، التي لفظها العالم ورماها في مزابل التأريخ ، والعقدة التي أنتجت كل تلك الجرائم في العراق ، هو الآيديولوجية العنصرية النازية التي يؤمن بها البعث ، ولا اظنك غافلاً عن ان قانون اجتثاث البعث ، يُقصد منه اجتثاث البعث كآيديولوجية نازية عنصرية تجاوزها العالم المتقدم ، واما مساءلة البعثيين فهي قضية اخرى ستنتهي بالتأكيد بعد إتمام ملفاتها ، وإعادة حقوق من سُلبت حقوقه من العراقيين الشرفاء ، الذين قدموا التضحيات الكبيرة من اجل تخليص العراق من كابوس البعث العنصري …
يجب ان يعلم الجميع ، انه لا مكان للبعث في العراق الجديد ، وسوف لا نتردد في مواجهة عودته للحياة السياسية ولو تَطَلّب ذلك نزيفاً آخر من الدماء ..

عن الكاتب

رياض عبد العزيز البغدادي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.