مقالات

إصبع على الجرح..آهات من العراق


منهل عبد الأمير المرشدي ||

قال أهل العقل في باب النصيحة والرأي السديد والتعقل والحكمة , إن عليك أن تحجز مكانا خارج لعبة الفوضى وحبذا لو كان مرتفعا مفتوحا لرؤية جميع أبطال الفوضى بما فيهم الضارب والمضروب والجارح والمجروح والقاتل والمقتول والناهب والمنهوب والشاتم والمشتوم والسارق والمسروق واللاعب والملعوب والدافع والمدفوع والآكل والمأكول والغاسل والمغسول والغادر والمغدور والحاسد المحسود والحاقد والمحقود عليه .
عليك أن تأخذ موقع المراقب والراصد والمتفرج حيثما تشتبك الأمور وينتشر الغبار وتتسع الفوضى ويتعالى الضجيج وتتزاحم الحجيج ولا حجيج ويختلط الأبيض بالأسود والأخضر باليابس والغامض بالواضح والوضيع بالشريف والرذيل بالنبيل والسقيم بالسليم والباطل بالحق والمجنون بالعاقل .
نحن اليوم في العراق نعيش كل هذا التناقض والتصارع والتناطح والتحاصص والتلاهث والتسابق والتقاتل والتخابث والتمايز , كغابة تعددت بها الأسود ولا اسود وكثرت بها الذئاب وتعالى نبيح الكلاب وتعالى عواء أبناء اوى وفاحت رائحة الخبائث واشلاء الفرائس وصدى نعيق الغربان يغطى اصداء المكان ونهيق الحمير يرتهن الأسماع ,
لم يبقى فيها غصن يأوي طيرا حر ولا عش لبلابل الحب ولا همس ولا سلام . ما نراه اليوم في العراق الذي لم يعد يشبه العراق وما نبصره فيه من كل الزوايا يحزننا حتى البكاء ويخيفنا حد الرعب والقلق ويزعجنا حد الأشمئزاز ويقبض انفاسنا ويدمّر وجداننا ويستنزف دموعنا ويعتم وجداننا ويطيل ليلنا ويميت إحساسنا ويؤطر حياتنا بالبؤس والتعاسة والخيبة ويقتل فينا روح الأمل ويمزق اوراق الحلم وينثر قصاصات التفسير في يوم ريح على جبل مرهون بتداعيات المحظور .
لست متشائما ولكني ارى الأمور كما هى على حقيقتها بلا رتوش ولا ظلال ولا تحميل ولا تجميل ولا تزوير .
تعددت فينا الرؤوس ولا رؤوس , وانتشرت في أحيائنا البنادق والمعاول والفؤوس , وأسودت بنا الأيام وتبددت الأحلام وتمزق القرطاس وتكسرت الأقلام وتعملق الأقزام وتطاول علينا الأدعياء وابناء الحرام .
إنه زمن المأزومين والشواذ والمنبوذين والتوافه والمأسورين بعقدة النقص وارباب الجهل والمنتشين بقطيع الهمج الرعاع وارتال التملّق وطوابير الذل والنفاق . إنه زمن الكذابيّن . لا مكان اليوم في العراق للنبلاء ولا مجال لعلم العلماء ولا صوت للمثقفين ولا حظوة او حضور للشرفاء , عليهم جميعا أن يرضوا بما لم يرتضوا ويصبروا ويتصابروا حتى يشاء الله أمرا كان مقضيا .
نعم نحن اليوم تماما كما قال الإمام علي عليه السلام قد أصبحنا في دهر عنود وزمن كنود ، يعد المحسن فيه مسيئا ويزداد الظالم فيه عتوا , أف لكم لقد سئمت عتابكم . أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا ، وبالذل من العز خلفا .
ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها فكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر .

عن الكاتب

منهل المرشدي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.