تقارير مقالات

الإتفاق النووي مع إيران من وجهة نظر القائد الخامنئي


د.محمد العبادي ||

في الشهور الأخيرة من حكومة الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد بدأت إرهاصات المفاوضات مع أمريكا ، لكن في حكومة الرئيس روحاني أخذت المفاوضات تطفو على السطح وتسير وفقا لرؤية الحكومة لحل المسألة النووية مع المجموعة النووية .
كانت البداية عندما طلبت أمريكا من أحد المسؤولين في المنطقة بأن يتوسط في حل الخلاف النووي مع إيران ، حيث ذكر هذه الحادثة قائد الثورة الاسلامية أمام جمع من الناس بتاريخ ٢٠١٥/٦/٢٣ م وتحدث عن بدايات موضوع التفاوض وقال : ( ان أحد المسؤولين المحترمين في المنطقة قد إلتقى بي ، وقال : ان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية [أوباما ] قد اتصل به راجيا منه أن يتوسط في حل المسألة النووية مع إيران على أن يتم رفع جميع العقوبات ضدها. أنا قلت للوسيط المحترم نحن لانطمئن للأمريكيين، ولايمكن الوثوق بأقوالهم.
فقال : جربوهم هذه المرة .
فقلت : جيد جدا سنجربهم مرة أخرى. ).
ان السيد الخامنئي كانت نظرته متشائمة وحذرة من الأمريكيين، لأنه يملك تجربة كافية من نكثهم للعهود ، وأنهم ليسوا جديين في التوصل إلى إتفاق مع إيران ؛ فقد بادرت ايران سابقا إلى تعليق اليورانيوم لسنتين في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي فلم تحصد نتيجة قط من تلك المبادرة ، وكان على الغربيين ان يردوا التحية بمثلها أو احسن منها ، لكنهم زادوا من ضغوطهم ضدها .
وبعد تعليق تخصيب اليورانيوم لعامين اضطر السيد القائد الخامنئي ان يتدخل في الموضوع ويأمر بإستئناف عمليات تخصيب اليورانيوم .
ان نظرة السيد الخامنئي إلى الفريق التفاوضي هي نظرة ثقة ، لكنه يبدي توجسه وقلقه من الأطراف المقابلة لهم في الحوار والتفاوض .
ان مواقف قائد الثورة ليست في مقابل المسؤولين في الجمهورية الإسلامية، وإنما في مقابل الأطراف التي نقضت الاتفاق ،ولذا نجد كلمات المسؤولين في ايران متطابقة في ان أمريكا تخلط في نظرتها بين ايران ، وبين أولئك الذين تحلبهم ويؤدون لها فروض الطاعة .
ان الهدف من وراء تلك المفاوضات النووية هو إلغاء جميع العقوبات المفروضة على ايران ، وقد سجل السيد الخامنئي ملاحظته على الرسالة التي حملها الوسيط عن الرئيس الأمريكي [أوباما ]:( توجد نقطتان في رسالة الرئيس الأمريكي ؛ الأولى: سنعترف بإيران بعنوان قدرة نووية ، والنقطة الثانية : تعالوا الى الحوار والتفاوض معنا وسنرفع عنكم العقوبات بشكل تدريجي في ظرف ستة أشهر .).
هذه الرسالة لم يحترم مضمونها الرئيس الأمريكي نفسه ، وقد ذكر ذلك قائد الثورة الاسلامية عند لقائه رئيس وزراء اليابان شينزو آبي بعد أن حمل هو الآخر رسالة أخرى من ترامب ( لقد تفاوضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية لمدة ٥ إلى ٦ سنوات في الموضوع النووي مع الجانب الأمريكي والأوروبي في قالب مجموعة ٥+١ وتوصلنا الى نتيجة، لكن أمريكا خرجت من هذا الاتفاق القطعي ، وعليه فأي عاقل يقبل بالعودة مرة أخرى للتفاوض مع الدولة التي نكثت ذلك الإتفاق).
ان القيادة في ايران كانت تراقب موضوع تطبيق رفع العقوبات ، لكنهم لم يلمسوا شيئا يذكر ، ففي إحدى اللقاءات مع مختلف طبقات الناس بتاريخ ٢٠١٦/٨/١ م تطرق السيد الخامنئي الى ذلك وقال 🙁 مضت ستة أشهر على إمضاء الإتفاق النووي ،لم يتغير شيء، ولم نلمس أي تأثير محسوس في الوضع المعيشي للناس ،في حين ان الأساس الذي ارتكز عليه الاتفاق هو رفع العقوبات المفروضة ).
ان السيد الخامنئي كان قد رسم الخطوط والعامة والسياسة الكلية للمسؤولين وحدد لهم الخطوط الحمراء من أجل ان يملأ أيدي الفريق المفاوض بخيارات واسعة في أثناء عمليات التفاوض ، وهو لايتدخل في تفصيلات المحادثات .
لقد وافق السيد الخامنئي على المفاوضات بشرط وجود ضمانات إلزامية ، حيث ذكر في ٢٠١٧/٩/١٧ م في أحد لقاءاته ( قلت لمرات وكرات : لاتثقوا بأمريكا، وإذا اردتم ان تتوافقوا معهم ، فعليكم بتهيئة الضمانات اللازمة …قلت إننا نوافق على الإتفاق النووي على أن تتوفر فيه هذه الشروط ؛ وأحدها : ان يكتب الرئيس الأمريكي كتابا برفع وإلغاء العقوبات المفروضة على ايران ويقوم بالتوقيع عليه …).
وقد كتب السيد القائد الخامنئي إلى رئيس الجمهورية في تاريخ ٢٠١٥/١٠/٢١ م عشرة شروط وضعها من أجل تطبيق الاتفاق ، وكان من تلك الشروط ( أخذ ضمانات قوية لإلغاء الحصار المفروض ومن جملة تلك الضمانات الإعلان الكتبي لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن تلك الشروط أيضا : ان تعليق أنشطة ايران النووية المبرمة في الاتفاق منوط برفع الحظر الكامل عن ايران و..و..الخ ) .
ان موقف قائد الثورة الاسلامية مبني على أسس قرآنية ودينية في ان ايران تلتزم بالعهود التي وقعتها ( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا)/ سورة الاسراء: الآية ٣٤ ؛ بشرط أن تلتزم باقي الأطراف الموقعة عليه .
وايضا يتكئ قائد الثورة على الآية القرآنية ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء )/سورة الأنفال: الآية ٥٨. وقد فسر السيد الخامنئي الآية الكريمة وقال : ( إذا نقض ذلك الطرف العهد فانقضه أيضا ( فأنبذ إليهم ) يعني ارمه عليهم …) .
لقد بين السيد الخامنئي أثناء لقائه بقادة القوة الجوية للجيش الإيراني : ان أمريكا وأوروبا لا يحق لهم وضع اي شرط على ايران لانهم نقضوا تعهداتهم ، وإيران هي الطرف الذي يحق له وضع الشروط، لأنها بقيت ملتزمة بتعهداتها. وبناء عليه فإن ايران ستعود للإتفاق عندما ترفع أمريكا كل عقوباتها عن ايران بصورة عملية لا على شكل أقوال أو حبر على ورق ، و ستعود بعد أن تتحقق ايران من رفع العقوبات عنها ، وهذه هي السياسة القطعية غير القابلة للرجوع للجمهورية الإسلامية .
لقد امتلكت ايران تجربة من أخلاف الليالي والأيام فيما يتعلق بالاتفاق النووي وقد ترجم السيد القائد تلك التجربة بقوله الحازم والمحدد في لقائه التصويري مع أهالي تبريز بتاريخ٢٠٢١/٢/١٧ م بمناسبة الذكرى السنوية (لقيام ٢٩ / بهمن/١٣٥٦ش) حيث قال بشكل قاطع : ( لافائدة من الأقوال والوعود ، نريد أفعال فقط . إذا راينا الأطراف المقابلة تعمل بالإتفاق ، سنعمل بالإتفاق أيضا).
ان موقف السيد الخامنئي هو ما يتفق عليه جميع المسؤولين في الجمهورية الإسلامية ، لكن قد يختلف بعضهم بالأسلوب الذي يحمل الآخرين للعودة للعمل طوعا أو كرها بالاتفاق .
ـــــــــــ

عن الكاتب

د.محمد العبادي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.