مقالات

رغيدة العيش وذاكرة الأمهات في الليلة المشؤومة

الكاتب klaybooords


آمال المسلماوي||

حين طفت على المشهد الإعلامي رغد إبنة من يسمى بالقائد الضرورة وقالت إن أباها لا يُحب الدم ، وتعالت بعدها اصوات نشاز لبعض الشباب لم يعاصروا ذلك الزمان كونهم لا يعلمون او ان ذاكرتهم مثقوبة ان ابوها المفدى لم يكن مختلفا عن فرعون حين قتل الاطفال بحجة البحث عن موسى الطفل الذي يقتله لاحقا
سأتكلم عن حادثة حصلت معي كأم عراقية وحتى لا انسى ما مضى …
فقد تسارعت الى ذاكرتي تلك الليالي الخمسة عشر التي قضيتها في مستشفى مدينة الطب وكنت لا أرغب بإستعادتها فهي مؤلمة حد البكاء والصراخ
لقد كنت وقت الحادثة شابة في مقتبل العمر أبلغِ العشرينَ عاماً وابني الرضيع مُحمد هو ثاني ابنائي في عام 1990 له من العمرِ سنة ونصف لقد كان جميلاً بعينين واسعتين وملامح بريئة للآن اتذكرها رغم مرور ثلاثين عاماً على تلك الحادثة المرعبة حين هرعن الممرضات الى ردهة الاطفال كقطيع من الذئاب المفترسة فصرخنن : يجب ان تفرغ من محتواها قناني الحليب فورا وكذلك رضاعات الاطفال !!!
ونحن الامهات في ذهول من امرنا ما هذه الوحشية وما الذي حصل ؟
حتى جاء الدور الاكثر رعباً في الموضوع عندما بدؤوا بإنتزاع المغذيات (محاليل سكريه واملاح) من اطفالنا بشكل لم اشاهده حتى في اكثر الافلام رعبا !
” لكِ اكتب يا من تقولين ان اباكِ لم يكن يُحب الدم”
تم انتزاع بخاخات الاوكسجين من الصغار وهم مرضى وحياتهم متوقفة على تلك الاجهزة الطبية وحتى الأدوية طلبوا إخفائها فورا !
والذهول طير عقولنا والرعب اخرس السنتنا ماذا يحصل بحق السماء!؟
بعد لحظات عرفنا السبب هناك زيارة من اللجنة الخاصة باليونسيف لتقصي التقارير الواردة من وسائل الاعلام بأن الحصار الاقتصادي الذي تسبب به والدكم (بعد هجومه وإحتلاله الدولة الجارة الكويت ) قد قتل اطفالنا وثمة نقص للأدوية بسبب فقدانها او عدم فاعليتها وكلما كان عدد القتلى من الاطفال كبيرا لربما تم رفع الحصار الإقتصادي عن بلدي العراق .
اكتب وانا شاهد عيان في تلك الليلة المشؤومة عندما تعالت صراخات احد الامهات لموت ابنها بسبب إبعاد الاوكسجين عنه لساعات طويلة وتعالت اصواتنا بالعويل امام هذا المشهد الذي لا ينسى
اما انا (يا من تنعمين برغد العيش) فلقد قال لي الطبيب اسرعي واجلبي العلاج لإبنك من تلك الغرفة فهرولت الى حيث وجهني الطبيب واذا بي اقرأ قطعة على بابها (غرفة الكيمياويات) طرقت الباب واعطيتهم الورقة التي كتبها لي الدكتور واخذت الدواء وكأم تخاف على رضيعها ساورني الشك بعد ان رأيت بأم عيني قتل الاطفال فتذوقت الدواء الذي هو حلو المذاق بالعادة واذا به حامضاً لا يطاق ! فكيف بطفل يبلغ السنة والنصف من عمره ان يتجرعه!
قلت ذلك للطبيب المعالج فقال أعطهِ إياه ولا تناقشي !
فأعطيته الدواء والدموع تحفر اخاديدا على وجهي وكإني سقيت إبنيَّ السم نعم قُتل صغيري بأمر من الطبيب وبعد لحظات تقيأ ابني محمد دماً وحتى خروجه كان دما ايضا ، ذهبت مسرعة فزعة للطبيب فقال بكل برود ولا مبالاة ومازالت كلماته ترن في مسامعي :
( إش يجي من محمد أنعم الله)..!!
مات ولدي فلذة كبدي بل قُتِل وقد كان يعاني من الإسهال فقط
ولو لم تأتي الاوامر للطبيب وباقي كادر المستشفى لربما كان محمد الآن رجلاً له إحدى وثلاثين سنة
حسبنا الله ونعم الوكيل على من ظلمنا…
هذا هو والدكم الذي كان لا يحب الدم!
وتأتين الآن وتريدين عودة تلك الايام والمشاهد الدموية والقهر الذي ترسخ في ذاكرتنا وعشناه نحن الامهات ممن كنا في ذلك اليوم المشؤوم ووقع علينا ظلماً وعدوانا الحظ العاثر في مستشفى مدينة الطب!
قَتل صدامُكِ اولادنا بطريقة غير مباشرة يُعطي أوامر القتل لأطباء لا إرادة لهم وربما لا ضمير وعليهم الطاعة والتنفيذ !!
افوض امري الى الله وعنده تجتمع الخصوم… لا أعاد الجبار المنتقم بعث ابيك يا رغيدة العيش لا مناماً ولا حقيقة ما حيينا .

عن الكاتب

klaybooords

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.