ثقافية مقالات

ذكريات شتاء ملتهب وربيع مجدب/4- آذار الأحمر

الكاتب ضحى الخالدي


ضحى الخالدي ||

كان جندياً من أهالي كربلاء المقدسة, وحين جاءت أوامر الانسحاب من الكويت؛ قفل راجعاً الى مدينته مختزناً شعور السخرية من النظام المهزوم, والإحساس بالفجيعة للهزيمة المُرّة المنكَرة, والتضحيات غير المبرَّرة. نجى من مجزرة المطلاع بأعجوبة..سار ليالي وأياماً غير آمِن, ابتعد عن المدن لئلّا يستعجل مواجهة زبانية البعث الذين سترافقه وجوههم الكريهة وعِشرتهم القبيحة في مدينته حتى آخر عمره, كما كان يعتقد. لم يكن مستعجلاً لكل ذلك, كان كل همه منصبَّاً على لقاء أسرته.
بحث عن بقايا الطعام في المزابل, كان الخبز المتعفن والبسكويت التالف مأدبةً عظيمة بالنسبة له, اقتات عليهما لإقامة أوده, أنهكه المسير حافياً بعد أن أكل البسطال قدميهو تورمت رجلاه, والجوع والظمأ والوهن والخوف كلها أسلحة دمار شامل. وجد في حافة الصحراء ذات ليلة ظلماء مجموعة من الجنود المستلقين على الرمال, يبدو انهم ساروا لمسافات طويلة مثله, وأنهكهم التعب فاضطجعوا في أحضان أمنا الأرض طلباً للراحة.
اضطجع متهالكاً حاشراً جسده بينهم وكأنه كان يخشى من قنّاص يقصده هو بالذات دون غيره..
أشرقت شمس آذار الباهتة على عينيه, فتحهما, مطَّ ذراعيه وطقطق أصابعه, جلس معتدلاً, تحسس ساقيه كأنه غير متاكد من سريان الدم فيهما خلال الليل, تلفّت حوله مبتسماً كأنه يريد مخاطبة زملائه النائمين حوله: ها..أبو خليل؟
تجمدت الابتسامة على شفتيه, كل من اضطجع حوله كانوا جنوداً عراقيين استشهدوا بالقصف الاميركي!!
جثث هامدة, أوصال مقطَّعة, ونومةٌ ابدية في أحضان أم قاسية وارضٍ جحود.. ركض على غير هدى, قاءَ عصارة معدته الخاوية, تلفّت حوله, لا شيء سوى التراب, وأعمدة الدخان المتصاعدة من هنا وهناك.
مرَّ بالهور, قدَّموا له الطعام والشراب, وثوباً – دشداشة- بدل ملابسه التي تمزقت, وأكلها العرق البارد والتراب والدم. اخبروه أن ثورةً اندلعت في الهور, وأصابت شرارتها بقية المحافظات الجنوبية والفراتية, وأن ضابطاً برتبة عميد يقود مدرعةً للجيش العراقي عاد مهزوماً من الكويت, معبَّأً بصدمة مجزرة المطلاع, حين وصوله البصرة رمى صورةً كبيرةً للطاغية وسط المدينة بعدة إطلاقات من سلاح عجلته, وخرج صارخاً بهيستيريا: لا إله إلا الله. هذا الخبر الأخير سمعته أنا ايضاً بنفسي من إذاعة مونت كارلو وقتها, وبنفس التفاصيل. كانت صدمة المطلاع أقوى من أن يستوعبها عقله, أو حتى مخيّلته.
غادر الجندي الهور شاكراً كرم الضيافة, وابتعد نحو اطراف المدن, قريباً من الصحراء أكثر وأكثر.
بانت له بساتين كربلاء من بعيد, دخل بصعوبة تحت جنح الظلام, مختفياً في عتمة الليل, وهو العارف بمداخل مدينته القديمة وأزقتها, عند الفجر دقّ باب منزله العتيق, رآه أحد الجيران الذي جاء يتفقد داره هو ايضاً: تعال معي, إن أهلك بأمان في المقبرة وكذلك عائلتي. الحرس الجمهوري يحاصر المدينة, وقد يقصفونها بالسلاح الكيمياوي في أي لحظة, هكذا أشيع.
ذهب الى المقبرة, التقى بأسرته المختبئة في سرداب تفوح منه رائحة الموت.
إشاعات قالت: إن الطائرات ألقت مسحوقاً أبيض كالجبس, أو الجص لتوهم المواطنين بأنه سلاح كيمياوي, لتزرع الخوف في قلوب المنتفضين, إشاعات أخرى قالت: إن استخداماً فعلياً ومحدوداً للسلاح الكيمياوي قد حدث في أطراف كربلاء وبساتينها.
الحقيقة المؤكدة الوحيدة أن المدفعية الثقيلة والدبابات والمدرعات والطائرات العمودية قد استهدفت المدينة, وقصفت الضريحين المقدسين, وأن كلباً أجرب صعد على ظهر الدبابة وخاطب سيد الشهداء عليه السلام متحدياً:
آني حسين.., وانت حسين!!
وأن أُسَراً بأكملها احتمت بالضريح المقدس, فأبيدت عن بكرة أبيها, وأن دماء الشهداء الذين أعدموا في الضريح الطاهر ظلَّت شاخصةً شهد عليها عمال البناء والخطاطون الذين استخدمهم الطاغية لإعمار الأضرحة الطاهرة ناسباً تدميرها للثوار, وإعمارها لنفسه, مدّعياً أن الثوار كانوا يغتصبون النساء, او يتزوجونهن قسراً في الضريح المطهر, والعجيب أن كربلاء والنجف الاشرف لم تشهد ولادات مجهولة النسب بعد عام كما في الموصل وغيرها من المدن, حيث اخضرّ من باطن الارض جيل من الشيشان والإيغور والافغان والسعوديين والتونسيين سيكبر يوماً ليزاحم أبناءنا على الجنسية العراقية وحقوقها!
سمعت وقتها ان الطاغية أمر بأن يعاد بناء السور المحيط بالصحن الحسيني المطهّر بحيث يبدو عبر التصوير الجوي على شكل ….. بسطال!!! معذرةً يا بن رسول الله.
في المسيب ربطوا المنتفضين الى إطارات العجلات –التايرات- وأحرقوهم, وذبحوا آخرين في حسينية أهل البيت عليهم السلام في يوم ماطر بحيث سالت المزاريب دماً عبيطاً!
في النجف الأشرف, أصبح نصف مقبرة وادي السلام شوارع عامةً, اكتسحتها البلدوزرات, وعوائل عريقة كالسادة آل بحر العلوم أبيدت بشيبها وشبّانها, وألقي الشهيد محمد الصدر (رض.) في المعتقل ثم أفرج عنه بعد أشهر, أصبح وادي السلام وادي الموت, وحين أسقط في أيدي الثوار ولم يبقَ امامهم إلا الاستسلام, انتخى كبار السن فيهم للغيرة العلوية وحفروا قبورهم بأيديهم في شوارع المدينة وربطوا أرجلهم بالعقل (جمع عقال) ممسكين ببنادقهم صامدين حتى آخر إطلاقة رصاص لديهم, في مشهد لا يتكرر من الشجاعة التي تجعل المقاتل لا يهاب الموت, ولا يأمن أن تحدثه نفسه بالفرار, فيربط رجليه بعقاله! مشهد من الشجاعة والغيرة لم نألفه إلا في جيل المقاومة بعد 2003, وفي سواتر الشرف 2014, وكما يقول المثل العراقي: الخلَّف ما مات, أو كما يقول الشاعر العراقي علي الملا الخزاعي:
اليتامى تموت, وتخلّف يتامى
بعض الأسر أخرجت أطفالها من فتحات سور المقبرة حاملين الرايات البيضاء أمام دبابات الحرس الجمهوري ومدرعاته, فما كان منها إلا أن……رمتهم بإطلاق الرصاص…, او سحقتهم تحت سُرَفِها!
ظلت جثامين الشهداء في الأزقة, تحكي شهوة الموت الذي عشق المدينة المقدسة بفُحش فاجر.
يتبع

عن الكاتب

ضحى الخالدي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.