دراسات و بحوث مقالات

محنة العراق.أجوبة الاسئلة المؤجلة..!


د.نعمه العبادي ||

تقدم أربعة صيغ إنتخابية بوصفها (حلول خلاصية) من الواقع السيء الذي تشكل عبر السبعة عشر سنة الماضية، وتتمثل هذه الصيغ في الآتي:
١- الآباء المؤسسون بمنطلقات جديدة: ويبشر بهذا الاتجاه، كتل وجماعات تقليدية تواجدت في المشهد السياسي، وتعاقبت على السلطة والحكم، وجديدها انها استفادت من اخطاء الماضي (بحسبها)، وتراهن على انها قادرة على انتاج نفسها من جديد عبر جمهورها المؤدلج.
٢- التحالفات الطولية أو العابرة: وهي صيغة يبشر بها اكثر من اتجاه وفي مقدمتها تيار الحكمة، الذي يبشر بتحالف يضم مختلف التنوعات العراقية، وينخرط فيه الشيعة والسنة والاكراد والتركمان.
٣- الكتلة الصدرية: وهي صيغة جديدة قرر فيها الصدريون النزول بها عن عناوين مشاركاتهم السابقة مثل كتلة الاحرار، وتقوم الفكرة على المرتكز الصدري الصارم في التعاطي مع الواقع، وتبشر بالحصول على اغلبية تمكنهم من الاستئثار برئاسة الوزراء بوصفها الاداة الاساس في تغيير مسار الواقع.
٤- الكيانات الحديثة والاحزاب التشرينية: وهي مجموعة وجودات سياسية وانتخابية تبشر بنفسها بوصفها المنقذ وحامل التغيير للمرحلة الجديدة، وتتحدث عن تمثيل واسع للجمهور الرافض، وقطيعة حادة مع المشهد السابق.
تراهن هذه الوجودات على انجاز تغيير مهم في ظل نظام انتخابي جديد تأسس على اثر مطالبات واسعة، يقوم على فلسفة الدوائر المتعددة، ويسمح بالكيانات الفردية، ويعتمد على نجاح أعلى الاصوات.
مما لا شك فيه، ان جميع تلك المسارات المبشر بها تعتمد في حركتها على الفضاء الدستوري والقانوني الذي أسسه الدستور الحالي، وترث تقاليد العملية السياسية الموجودة، ومن المؤكد انها، لن تستطيع الانفراد بالمشهد (في حالة فوزها) بعيداً عن القوى التقليدية التي تنتشر بوجودها في كل مفاصل الدولة.
تشترك هذه الرؤى المبشر بها على انها اتجاهات (إصلاحية)، تدرك معالم وواقع التجربة السياسية الجارية، إذ لم يتبلور كيان متماسك للدولة، ولم يصار إلى عقد اجتماعي جامع يشكل لحمة مقبولة تربط تنوعات الشعب، وتتقدم الهويات الفرعية بمختلف تلوناتها الساطعة على الهوية الوطنية الخافتة، وتغيب عدالة التوزيع بشكل واضح، ويضرب الفساد في كل مناحي الدولة، ويجول التدخل الخارجي بمختلف تمظهراته في كل أرجاء البلاد بحرية وتمكن، ويعيش جسد الدولة حالة لا انسجام في العلاقة بين تكويناته الجغرافية وخصوصا منطقة كردستان، ويربط البلد مع الآخرين منظومة علاقات مضطربة، ويتمدد الهيكل الحكومي بطريقة اقل ما يقال فيها مترهلة، ويشارك أكثر من طرف وجهة الدولة في امتلاك ادوات القسر والقوة، ويغيب القانون عن الكثير من مناحي الحياة، وتتعامل معظم القوى القابضة على السلطة مع البلد بوصفه صفقة استثمارية طارئة، وتتضارب السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية، ويعيش البلد أنموذج أقتصادي ملفق ومشوه غير واضح المعالم، ويعطل الانتاج بكل مستوياته واشكاله بشكل مقصود ومدروس لصالح سلوك استيرادي مفرط، وتوزع المناصب والامتيازات على اسس حزبية وقرابية وتخادمية تحصرها مجموعة صغيرة في مقابل أقصاء عام للغالبية العظمى.
إلى جانب هذه الصورة هناك ادارك بالمجمل لجهد خارجي منظم من منطلقات مختلفة، يستهدف بشكل مقصود ومدروس الابقاء على هذه الصورة المفجعة للبلد، ويندرج فعله تحت عنوان عام مضمونه (محو العراق).
يشي تأريخ هذه البلاد بقصة غريبة عجيبة، فمن جهة هو اسبق الكيانات الارضية وجوداً، وأكثرها حضوراً في الذاكرة المنصفة، حيث عمقه الزماني الذي يمتد لآلاف السنين قبل الميلاد، ومن جهة اخرى يتفرد بلعنة القلق والأزمات والانقطاعات التاريخية، فبعيداً عن الاستغراق التاريخي، ظهرت هذه الارض الى مسرح الحياة منذ فجر الخليقة عبر ثلاثة اقاليم هي (أقليم الشمال والوسط والجنوب)، وكان قدر هذه الاقاليم واهلها مواجهة جغرافية لعينة في قسوتها، حيث الحر والجفاف في الصيف والبرد والمطر في الشتاء، وتضربها الفياضانات بطريقة مقلوبة، فتجف وتصحر في موسم الزرع والنماء، وتفيض بجنون اوقات الحصاد على خلاف وادي النيل، كما انها واجهت صيغة مختلفة من الحضور الديني والسياسي، فعلى عكس مصر التي كان آلهتها هم حكامها الدنيويين، كان الحاكم في العراق نائب الإلهة، الامر الذي جعله يتلاعب بتوظيف الإله في سلطته، فعندما يريد ان يصب غضبه وظلمه على الشعب يلبس ثوب غضب الإله، وهكذا حتى تم استباحة الاعراض في سردية مقززة بحجة رغبات الإله.
مثل الاقاليم الثلاثة، مثل أخوة ثلاثة يجمعهم قسراً اب واحد وبيت واحد، لم يصفو ود بعضهم للآخر تمام الصفو، ولم يتقاطعوا تمام القطيعة، ولا يستطيع بعضعهم ان ينفصل عن أخوته إنفصالا كاملاً.
لقد تشكلت الكتلة السكانية لهذا البلد عبر التاريخ من خليط غريب غير متجانس، من هجرات وافدة، وبقايا محتلين، وسكان محليين، وحكومات معزولة، وجيوش تائهة، وقد ساهم تعاقب الجور والظلم الذي كان السمة الغالبة، بل السائدة لكل عمر العراق في انتاج شخصية متشظية مشحونة بالحقد على الحاكم الظالم، وغير متصالحة مع النظام، وتشعر بالريبة والتوجس من السلطة دوما، وتبتدع الاساليب والوسائل التي تمكنها من الافلات من قبضة السلطة وماكنتها، ومع كل هذه الصورة القاتمة، فإن التاريخ سجل عدداً لا متناهي من حالة التناصر والاحساس المشترك بين الاقاليم الثلاثة رغم التباعد النسبي بينها.
ومع ان الحركة الالهية المتجسدة في الرسالات النبوية سجلت ظهورها الأول في العراق، كما تؤكد السرديات والآثار على وجود اكبر عدد من الانبياء والائمة والاولياء مدافنهم ومسيرتهم في هذه الارض إلا ان معالم واضحة لشكل متبلور من وجود متشخص للدولة والحكم بل وحتى الامة لم يظهر بشكل بارز لمسار الحركة الالهية في العراق، إذ كان مسار الاتجاهات الارضية بمختلف تجلياتها هي الأقوى في ظهورها، وكانت الإلهة حاضرة في الشوارع والطرقات بينما يختفي الله الواحد في ضمائر وقلوب منكسرة ومقصية.
عبثت الاحتلالات المتعددة بهذا البلد أيما عبث، وكان العثماني الاكثر أثرا في تشظي الوجود العراقي، كما لعب الوعي المبكر والجدل الناضج دوره في خلق حركات الاحتجاج والممانعة، وقد شكلت الكوفة العلوية وكربلاء الحسينية صيغة معقدة في الجسد العراقي العام.
وحدت الدولة العراقية الجديدة عام 192‪1
الاقاليم المتعددة في اطار واحد بعد ان تم تأخير ضم ولاية الموصل بلعبة استعمارية إلا ان هذا الضم لم يخلق صيغة جديدة متعالية على تركة الماضي، ولم يستطيع افراز هوية مشاعرية وحقوقية جامعة ومتساوية، وظلت الأمور على هذا الحال إلى لحظتنا الراهنة.
تكمن محنة العراق في جغرافية قدرية رسمت صورة الخارطة بشكلها المعهود، وفي جوار ذي خصوصية في موقفه من هذا العراق، ونماذج حكم تساوت وتشابهت في ظلمها وقسرها ونهبها لثروات البلاد، وعقل جمعي مشاكس وصعب المران متعب في التطويع، وروح عامة ميالة إلى السلوك الجمعي، وذاكرة مضرجة بالجروح والقروح، وعاطفة مرهفة ومثقلة بالحزن ومنحازة الى ثقافة الموت، وازدواجية سلوكية مخاتلة تتدرع بوسائل متطورة للإخفاء والتمويه، وعداء وحسد قديم يورث عبر الاجيال للنعم والثروات والخصوصية العراقية يتجسد عبر مؤمرات بأشكال مختلفة ومتنوعة، وهذه التحديات هي البنية التحية التي تستندها عليها كل المحن السياسية والاقتصادية والاجتماعية الظاهرة على السطح.
ان مركز الخلل عندنا بنيوي اجتماعي عميق، يحتاج الى مقاربات بعمقه وبعده في الغور والاستعصاء، الامر الذي يتطلب مشروعاً يتوجه الى الانسان قبل البنيان والعمران، وهو ما لا يكون متاحاً ولا ممكناً في ظل قوى المشهد القديم ولا حتى المسارات الاربعة التي تتحرك بمنطق خلاصي.
اننا نحتاج الى اجابة جماعية عن اسئلة تظهر على انها ساذجة لكنها ضرورية ملحة، محصلها :
– هل نؤمن بأننا دولة واحدة؟
– هل نحن مكتفون بالهوية العراقية وهي الأهم عندنا؟
– هل نحن مؤمنون بحق الآخرين في المشاركة بالسلطة والثروة؟
– هل نحمل موقفاً موحدا تجاه اعدائنا الحقيقيين؟
– هل يمكننا التوافق على سلطة نضع ثقتنا بها؟
– هل فعلنا ما ينبغي لمنع السلطة بالاستئثار بالثروة وحرماننا منها؟
– هل نحن مستعدون لبناء الحياة ومغادرة ثقافة الموت؟
– هل نحن مستعدون لمنح الحاكم العادل حيزاً من الحرية بعيداً عن جدل التعويق والجربزة؟
ان مسؤولية الحوار حول بصيرة هذه الاسئلة واجوبتها يقع على عاتق العالم والمتعلم على سبيل نجاة، وهي مهمة مقدسة بكل المعايير والمقاييس، وفرض وطني ووجودي، فلا مجال للحديث عن اصلاح قبل استيفاء اجوبة هذه الاسئلة بيقين وتسليم.

عن الكاتب

د.نعمه العبادي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.