اسلامية مقالات

إنّما هي نفسي أروضها

الكاتب رجاء اليمني


✍🏻رجاء اليمني ||

قال عليه السلام: «وإنّما هي نفسي أروضها بالتّقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر
العاملين عليها في الوقت الراهن

قال عليه السلام: «وإنّما هي نفسي أروضها بالتّقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق، ولو شئت لاهتديت الطّريق، إلى مصفّى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة مَن لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشّبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى، أو أكون كما قال القائل:
وحسبك داء أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ
أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدّهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش». (نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج3، ص73).
لقد كان عليه السلام حريصاً على أموال المسلمين دقيقاً في صرفها ولم يستأثر منها بشيء لنفسه ويذكر المؤرخون حوادث رائعة في هذا المجال منها:
روى هارون بن عنترة عن أبيه قال: دخلت على عليّ بن ابي طالب عليه السلام بالخورنق، وهو يرعد تحت سمل قطيفة، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ الله قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال ما يتنعم، وأنت تصنع بنفسك ما تصنع؟ فقال: «والله ما أرزؤكم من مالكم شيئاً، وإنّها لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي: أو قال: من المدينة». (حلية الأبرار للبحراني: ج2، ص246).
ذكر الرواة أنّ الإمام في أيام خلافته لم يكن عنده قيمة ثلاثة دراهم ليشتري بها إزاراً أو ما يحتاج إليه، ثمّ يدخل بيت المال فيقسّم كلّ ما فيه على الناس، ثمّ يصلّي فيه، ويقول: «الحمد لله الّذي أخرجني منه كما دخلته». (بحار الأنوار للمجلسي: ج40، ص321).
فمابال العاملين عليها في الوقت الراهن يتقاسموا مال الله افلايتقون!!!!!!!!–!!!! كيف يجعلون من الوصى أمامهم وهم الذين لايتبعون أعماله؟ كبر مقتا ان يقولوا مالايعملون!!!!
من ذاتيات إمام المتّقين، ومن أبرز عناصره الزهد التامّ في الدنيا، والرفض الكامل لجميع مباهجها وزينتها فكان أزهد الناس، وقد تحدّث الإمام عليه السلام عن زهده وإعراضه عن الدنيا بقوله: «فو الله ما كنزت من دنياكم تِبراً، ولا ادّخرت من غنائمها وَفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طِمراً، ولا حُزت من أرضها شِبراً، ولا أخذت منه إلاّ كقوت أتان دبرة».
وذكر المؤرّخون والرواة صوراً رائعة ومذهلة من زهد الإمام عليه السلام كان منها ما يأتي:
لم يعتن الإمام عليه السلام بلباسه، وإنّما كان يلبس أخشن الثياب، وليس عنده من الثياب غير الثوب الذي عليه… كل ذلك إعراضاً منه عن زهرة الحياة الدنيا وزهده بها ومواساة منه للفقراء … وهذه بعض البوادر التي حكيت عنه:
منها: انه خرج إلى الناس وعليه إزار مرقوع فعوتب في لبسه فقال عليه السلام: «يخشع القلب بلبسه ويقتدي به المؤمن إذا رآه». (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول لمحمد بن طلحة الشافعي: ص184).
روى عليّ بن الأقمر قال: رأيت عليّاً وهو يبيع سيفاً له في السوق ويقول: «من يشتري منّي هذا السّيف، فوالّذي فلق الحبّة لطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان عندي ثمن إزار ما بعته». (ذخائر العقبى لأحمد الطبري: ص 18).
هنا اتسال كيف من يجعل سبيل الله مجالا للثروة والكسب الحرام؟؟؟؟
هذه بعض البوادر من زهده في لباسه وكم نحن اليوم بحاجة إلى الاقتداء بسيرته ونبذ مظاهر الإسراف المتفشية في مجتمعاتنا.
كان الإمام عليه السلام من أحلم الناس، ومن أكثرهم كظماً لغيظه، فلم يثأر من أي أحد اعتدى عليه أو أساء إليه، وإنّما كان يقابلهم بالصفح والإحسان كشأن أخيه وابن عمّه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، الذي قابل المعتدين عليه بالصفح، على هذا المنهج سار وصيّه وباب مدينة علمه، فقابل أعداءه وخصومه بالإحسان والصفح الجميل.
فكيف من يدعى بأن الإمام قدوة له وهو يتصيد الأخطاء للغير إذا لم تكن معنا فانت ضدنا ومحكوم عليك أنك شرذمه؟؟؟؟؟
وهذه لمحات من بوادر حلمه تنمّ عن نفسه العظيمة التي خلقها الله لتكون مشكاة نور لعباده تهديهم للتي هي أقوم، وهي كما يلي:
دعا الإمام عليه السلام غلاماً له فلم يجبه، ثمّ دعاه مرّة ثانية وثالثة فلم يجبه، فقام إليه وقال له:
«ما حملك على ترك إجابتي؟». فردّ عليه الغلام: كسلت عن إجابتك، وأمنت عقوبتك.. فامتلأ قلب الإمام سروراً، وقال عليه السلام: «الحمد لله الّذي جعلني ممّن يأمنه خلقه، إمض فأنت حرّ لوجه الله تعالى». (بحار الأنوار للمجلسي: ج41، ص48، الأمالي للسيد المرتضى: ج2، ص162).
فكيف من يفتخر بالمناصب وهو من تراب وإلى التراب يعود فهل من مذكر؟؟؟؟
من أخلاق الإمام عليه السلام التواضع، ولكن لا للأغنياء والمتكبّرين، وإنّما للفقراء والمستضعفين، فكان يخفض لهم جناح البرّ والمودّة، وقد ضارع بذلك أخاه وابن عمّه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان للمؤمنين أباً وللفقراء أخاً.. ونعرض فيما يلي لبعض ما أثر عنه عليه السلام.
وفد عليه رجل مع ابنه فرحّب بهما وأجلسهما في صدر المجلس، ثمّ أمر لهما بطعام، وبعد الفراغ منه بادر الإمام فأخذ الإبريق ليغسل يد الأب ففزع الرجل، وقال: كيف يراني الله وأنت تصبّ الماء على يدي؟ فأجابه الإمام عليه السلام برفق ولطف: «إنّ الله يراني أخاك الّذي لا يتميّز منك، ولا يتفضّل عنك، ويزيدني بذلك منزلة في الجنّة».
أيّ روح ملائكية هذه الروح؟ وأيّ سموّ في الذات هذا السموّ؟فأين انت من الإمام يابو فلان
وانصاع الرجل إلى كلام الإمام عليه السلام ، فصبّ الماء على يده، ولمّا فرغ ناول الإبريق إلى ولده محمّد بن الحنفية، وقال له: «يا بنيّ، لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت الماء على يده، ولكنّ الله يأبى أن يسوّي بين إبن وأبيه». وقام محمّد فغسل يد الولد. (المناقب لابن شهر آشوب: ج1، ص٣٧٣).
عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: «خرج أمير المؤمنين عليه السلام على أصحابه وهو راكب، فمشوا خلفه فالتفت إليهم فقال: ألكم حاجة؟ فقالوا: لا يا أمير المؤمنين، ولكنّا نحبّ أن نمشي معك، فقال لهم: انصرفوا فإنّ مشي الماشي مع الراكب مفسدة للرّاكب ومذلّة للماشي. قال: وركب مرّة أخرى فمشوا خلفه، فقال: انصرفوا فإنّ خفق النعال خلف أعقاب الرجال مفسدة». (بحار الأنوار للمجلسي: ج41، ص55).
اين التواضع يامن تملك شاص سبيل الله لتخيف المارة بسبب السرعه؟؟؟؟؟
وعن الامام الصادق عليه السلام: «كان أمير المؤمنين عليه السلام يحطب ويستسقي ويكنس، وكانت فاطمة عليها السلام تطحن وتعجن وتخبز.
وروي أنّه اشترى تمراً بالكوفة، فحمله في طرف ردائه، فتبادر الناس إلى حمله وقالوا: يا أمير المؤمنين نحن نحمله، فقال عليه السلام: « ربّ العيال أحقّ بحمله». (المناقب لابن شهر آشوب: ج1، ص٣72).
حقّا إنّ هذه الأخلاق أخلاق الأنبياء العظام وأوصيائهم، وقد مثّلها بسيرته وسلوكه سيّد الأوصياء وإمام المتّقين والأخيار.
من معالي أخلاق الإمام علي عليه السلام عيادته للمرضى، وكان يحفّز أصحابه على ذلك، ويحثّهم على هذه الظاهرة، فقد كان يقول لهم: «إن للمسلم على أخيه المسلم من المعروف ستا: يسلم عليه إذا لقيه، ويعوده إذا مرض، ويشهده إذا مات…. الخبر». (الأمالي للشيخ الطوسي: ج2، ص248).
وكان عليه السلام إذا علم أنّ أحداً من أصحابه مريض بادر لعيادته، فقد عاد شخصاً من أصحابه، ولمّا استقرّ به المجلس قال له: «جعل الله ما كان من شكواك حطّاً لسيّئاتك، فإنّ المرض لا أجر فيه، ولكنّه يحطّ السّيّئات، ويحتّها حتّ الأوراق. وإنّما الأجر في القول باللّسان، والعمل بالأيدي والأقدام». (شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني: ج5، ص264).
فاين أنتم يامن تتجبروا علي الضعيف والمحتاج والمرأة وانتم تمثلون انفسكم وبعيدون عن منهج آل البيت
كان الإمام عليه السلام يسأم المدح والإطراء، وكان يقول لمن أطراه: «أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك»، وإذا أطرى عليه رجل قال: «اللهمّ إنّك أعلم بي منه وأنا أعلم منه بنفسي، فاغفر لي ما لا يعلم». (الأمالي للسيد المرتضى: ج1، ص198).
ومن معالي أخلاق الإمام عليه السلام أنّه إذا دعي لتناول الطعام أجاب إلى ذلك خصوصاً إذا دعاه فقير، وينقل لنا التأريخ أن رجلاً دعا عليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى الطعام، فقال عليه السلام: «نأتيك على ألَّا تتكلَّف ما ليس عندك، ولا تدّخر عنا ما عندك». وكان عليه السلام يقول: «شرّ الإخوان من تكلَّف له». (عيون الأخبار للشيخ الصدوق: ج3، ص255).
كان الإمام عليه السلام من أندى الناس كفّاً، ومن أكثرهم برّاً وإحساناً إلى المحتاجين، وكان لا يرى للمال قيمة سوى أن يردّ به جوع جائع أو يكسو به عريان، وكان يؤثر الفقراء على نفسه ولو كانت به خصاصة وهذه شذرات من برّ الإمام عليه السلام وجوده على الفقراء، لم يبغ بما قدّمه لهم من إحسان إلاّ وجه الله تعالى والدار الآخرة:
من بوادر جوده أنّه لمّا قسّم بيت مال البصرة على جيشه لحق كلّ واحد منهم خمسمائة درهم، وأخذ هو مثل ذلك، فجاءه شخص لم يحضر الواقعة فقال له: كنت شاهداً معك بقلبي، وإن غاب عنك جسمي، فأعطني من الفيء شيئاً, فدفع إليه ما أخذه لنفسه، ورجع ولم يصب من الفيء شيئاً. (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج1، ص205).
كان الإمام عليه السلام يملك أربعة دراهم تصدّق بواحد ليلاً، وبالثاني نهاراً، وبثالث سرّاً وبالرابع علانية، فنزلت فيه الآية الكريمة: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. (كشف الغمّة للأربلي: ص50).

عن الكاتب

رجاء اليمني

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.