ثقافية مقالات

ذكريات شتاء ملتهب وربيع مجدب ج5- مطر أسود

الكاتب ضحى الخالدي


ضحى الخالدي ||

قبل أيام من اندلاع الانتفاضة في مدينتنا الصغيرة الواقعة بين بغداد وكربلاء؛ كانت قطعات الحرس الجمهوري المرابطة في الرزازة تنسحب تحت جنح الليل لترابط عند اللطيفية والحصوة في طريقها نحو بغداد لحمايتها من حراك مرتقب شعرت السلطة بالهزيمة تجاهه مبكراً, فقرراختراقه استخبارياً. وصفت الإذاعات العالمية الانتفاضة الشعبانية بانها أقوى وأكبر حركة تمرد في القرن العشرين, ولم يستطع الطاغية القضاء عليها لولا خيمة صفوان المشؤومة وما أتاحته له من استخدام طيران الجيش لقمع الانتفاضة.
وضعت الحرب أوزارها, وثارت مدينتي ليلةً وضحاها في سلسلة الاشتعال المتتالي التي ضربت وعي الجماهير المكبَّلة في الفرات الأوسط والجنوب لتلتهب انتفاضةً شعبيةً تمردت على براكين الأرض, وقصف السماء.
أخذ الجوع من الناس مأخذه, سمعوا أن قطاراً يحمل الطحين –الدقيق- جاء من البصرة متجهاً نحو بغداد مروراً بمدينتنا, توجه الناس الى محطة القطار في صبيحة تلك الليلة التي لم ننمها, فلا نحن صداميون, ولا نحن ثائرون, أسرة تسير الى جنب الحائط طلباً للسلامة كما يقولون, وكبرنا على صوت جدتي وهي تؤنبنا على تبرّمنا من سلطة الجلاد بقولها: (استروا علينا.. الحيطان لها آذان). نعم, كان في عائلتي عسكريون ضباط لكنهم لم يكونوا من زمرة البعث العفن, حتى أنهم أحيلوا الى التقاعد في نيسان من عام 1991, فقط لأنهم شيعة. لا أعلم كيف اتخذت دونهم طريق المقاومة وطلعت الى هذه الدنيا كغصن مائل نافر عن جذع تلك الشجرة المسالمة.
أحاط المنتفضون بمقر المنظمة الحزبية التي كان الرفاق الحزبيون فيها يطلقون مقذوفات الانفلاق الجوي لتتساقط شظاياها على المنتفضين والجائعين, بعد ان نفد مخزون إطلاقات مقاومة الطائرات الرباعية الموجهة نحو الجماهير بدل السماء. اربعون يوماً من القصف الأميركي والبريطاني والفرنسي لأرضنا لم تنطلق خلالها تلك المقذوفات من الفرقة الحزبية, كانت دون مدى تحليق طائرات الشبح والتورنادو والميراج, كان القائمون عليها أجبن من أن يحاولوا ذلك تجاه أسيادهم الذين سلَّطوهم على رقابنا.
أكياس الطحين التي جاء بها القطار كانت مليئةً بالنخالة –قشور الحبوب- وشظايا الزجاج وذرق الفئران والجرذان والحصى, كانت حركةً محسوبةً بكل المقاييس, وكانت خيبة الناس كبيرة. جوع وانقطاع مستمر للتيار الكهربائي وإمدادات المياه وخطوط الهاتف الأرضي لأكثر من أربعين يوماً. نعم, كانت مدينتي تعاني خلال حقبة الثمانينيات من عقوبة قطع التيار الكهربائي بين فترة وأخرى, لكن قطعاً مستمراً بهذا الشكل؟! لا.
غادر القطار مدينتنا, وخلال ساعة تقريباً بدأت الارض تهتز تحت سُرَف الدبابات والمدرعات القادمة من منطقة الحصوة التي مرَّ بها القطار, حيث كانت ترابط قطعات الحرس الجمهوري المنسحبة من الرزارة قبل أيام. كان لها ازيز وفحيح وعويل…
هذه هي متعة السكن في منزل قديم في أرض رخوة منخفضة, أن تتذوق الاصوات, والترددات, والمشاعر, والهواجس..
بدات المدرعات بالتمشيط.. لم تكن تمشط شعري, كانت تمشط الشوارع, المنازل, الأزقة, وأنا وخالتي نتلو سورتي يس والرعد.
لم ننجُ من حملات المداهمة والتفتيش, حتى أسلحة الضباط التي حصلوا عليها أثناء الترفيع, أو عند التقاعد تم تسليمها, أُحرِقَت الكتب الثمينة التي لن يجود التأريخ بمثلها, أو رُمِيَت في البالوعات, أو دُفنت في الحدائق كما دُفِنَ بعض الشهداء.
أمر المقبور حسين كامل أهالي المدينة بالتجمع, فأقيمت عدة تجمعات, بعضهم وُضِعَ في الشاحنات والحافلات نحو المقابر الجماعية في جرف الصخر والمحاويل والرضوانية, وبعضٌ دفنوا في ضواحي المدينة, وبعضٌ قُيِّدوا الى إطارات السيارات وأُحرقوا في حديقة مقر المنظمة الحزبية.
وفي مشاهد مشابهة, في فلكة أبو شعير في حي الجزائر في البصرة, سكبوا البنزين على أجساد شباب أحياء الحكيمية والبرضعية واالجمهورية والحيانية, بل وسقوهم البنزين عنوةً, وأوقفوهم في حر الشمس البصرية اللاهبة وأطلقوا نحوهم الرصاص المذّنب. خالتي الساكنة هناك كانت تسمع صراخهم, وتدعو الله ان لا تشرق شمس صباح اليوم التالي إلا وقد نمت مكانهم اشجار خضراء تحكي ظُلم شبابهم, لكن الشمس اشرقت على بقايا أجسادهم المتفحمة. البعض الآخر قُيِّدوا, ووُضِعَت في جيوبهم قنابل صغيرة!
جارهم يوسف المسيحي المعبّأ بمخاوف ولّدها التثقيف البعثي بأن ثوار الانتفاضة الشيعة سينتقمون من أبناء الديانات الاخرى, طلب من زوجته قطعة قماش خضراء عصب بها رأسه, وأخذ البراميل البلاستيكية بسيارته ليملأها من مياه شط العرب الأُجاج, ومن سخرية الأقدار أن تلّقته مدرعات الحرس الجمهوري برصاصاتها حال دخولها مركز المدينة ظنّاً منهم أنه ثائر شيعي!
أمطرت السماء في أواخر ذلك الشتاء, وبداية الربيع, وحتى أعوام بعدها , مطراً أسود بفعل آبار النفط التي أحرقها المقبور في الكويت, وحملت الرياح إلينا أحماضها وأبخرتها سُحًباً سوداء, فأمطرت سواداً ورماداً صبغ الجدران, وصبغ أوراق سدرتنا وجذعها – السدر: النبق – جاء في المأثور أن ظهور الماء الأسود في مدينة ما, هو علامة حلول الموت فيها, ولَعمري إن كانت بومبي الرومانية مدينةً عاث فيها الفساد فأمطرها بركان فيزوف رماداً, فمدينتي هامت بحب علي, فأمطرها الطغاة سواداً ودخاناً, وذبحوا شبابها تحت المطر الأسود حتى سالت دماؤهم مع مياه المطر الأسود عبر المزاريب.
ما أثار الاهتمام مشاركة أشخاص معروفين باحتساء الخمور في محلاتهم التجارية وابواب رزقهم, ولا تجدهم يقظين الا نادراً, ونماذج أخرى كانت فضائحهم الأخلاقية على ابواب بيوتهم, وفي مدينة صغيرة يعرف بعضها بعضاً تستطيع تمييز أصوات بعضهم تحت جنح الليل البهيم, وهم يهتفون ليلة الانتفاضة اليتيمة: لا إله إلا الله!!! وجدتي تهمس متذمرة: (أبأفواهكم النجسة تهتفون باسم الله؟؟) ما أصبح الصبح وحلَّ الضحى ودخل الحرس الجمهوري مدينتنا, إلا وخرجوا من منازلهم مرتدين بزّات الحرس الجمهوري ذات المثلث الأحمر على الأكمام, حاملين رشاشات الكلاشينكوف, وهم يدلّون القوات المداهِمَة على بيوت الثائرين الحقيقيين!!! البعض الآخر من هذه النماذج تنكّروا لمذهبهم, وانخرطوا في التوجهات الوهابية, وأصبحوا مبشّرين بها في المقاهي والجامعات والمدارس!
أما البيوتات التي فقدت بعض أولادها منذ عام 1980 إثر استشهاد السيد الشهيد الأول محمد باقر الصدر (رض.), فقد فقدت ما تبقى منهم في المقابر الجماعية عام 1991, حتى الأُسَر التي ابتعدت عن الشر وغنَّت له كما يقول المصريون, لم تنجُ.
توالت على مدينتنا ألوية الحرس الجمهوري بدباباتها ومدرعاتها حاملةً أرقام الألوية: 39, 40, 41. وأُحرقت دوائر النفوس والتسجيل العقاري, وفي أحد الصباحات كانت كل المحلات التجارية في سوق المدينة الكبير مكَّسَّرة الأقفال, مسروقة البضائع, في عملية سطو انتقامية تشبه ظاهرة الحواسم 2003, برعاية الحرس الجمهوري ورفاق حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق.
يتبع

عن الكاتب

ضحى الخالدي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.