مقالات

بابا الفاتيكان في نجف عليٍ والسيستاني..!


عباس العنبوري ||

تأتي زيارة بابا الفاتيكان والحبر الاعظم للمسيحيين الكاثوليك الى العراق في ظروف معقدة ومتشابكة على المستوى الامني والصحي. فأمنياً، العراق يعاني من اضطرابات في مناطق مختلفة منه. اذ لا زالت موجة الاحتجاجات تجتاح مناطق مختلفة من البلاد يذهب ضحيتها العشرات من الشهداء والجرحى في صفوف المحتجين والقوات الامنية على حدٍ سواء. كما لا زالت صواريخ الكاتيوشا تسقط على اهداف عسكرية للقوات الاجنبية المتواجدة في العراق وقد تسقط –احيانا- على اهداف مدنية وتجمعات سكانية قريبة، مخلفةً بذلك سقوط ضحايا وخسائر في صفوف المدنيين وممتلكاتهم الخاصة. وفي ذات السياق، لا زالت الصورة المطبوعة في اذهان المجتمع الدولي ان العراق ارض تخلو من الامن والاستقرار بوجود خلايا داعش الارهابي التي تشن هجمات بين حينٍ وآخر، ولا يمكن الاستثمار في بناء شراكات اقتصادية وتجارية فيها الا بحساب (عامل خطورة) يعد من بين الاعلى في دول العالم.
اما على المستوى الصحي، فان العالم باسره يعاني من صعوبات بالغة في تنقل افرداه بين الدول والمدن خوفاً من التسبب في انتشار وباء كورونا، وهو الامر الذي قلل حركة الطيران الى ما دون 5% عما كان قبل الوباء. فما بالك بانتقال رجل قد ناهز الخامسة والثمانين من العمر، وهو بنصف رئة! ليحضر تجمعات سكانية كبيرةٍ لاستقباله في صلاوات قداسية. سيما اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار اجراءات الحماية والوقاية التي تتخذ عادةً لحفظ سلامة البابا في سيارات خاصة ومراسم استثنائية في اي محفل يحل فيه.
لست هنا بصدد تقديم سردية طويلة لآخذ من وقت القارئ المنزعج من قطع الطرق وسوء الخدمات في العراق، ونفاق لجنة الاعداد للزيارة، والتي قامت بصبغ الطرقات والشوارع لاستقبال البابا، وتركت ذات الطرق والشوارع دون اهتمام وتعبيد وعناية. فذلك القارئ لن يستطيع ان يتبصر دلالات اعمق، واشارات ابلغ من النظر الى ما تحت قدميه. كما انني لست بصدد العناية بالجماعات الموتورة من اختيار البابا للنجف والسيستاني ليكون قبلته في الزيارة لاسباب طائفية او ايديولوجية. فامراض مثل هؤلاء اكبر من ان تشفى بمقالةٍ محدودة الكلمات. ولكني في معرض استعراض هذه المقدمة للتأكيد بان تجاوز الصعوبات والتحديات التي تحف الزيارة تحمل في طياتها دلالات حقيقية وكبيرة ينبغي استثمارها. وذلك الاستثمار، لا كما يعتقد بعض محدودي التفكير من القائلين: هل سيتغير حال العراق بعد زيارة البابا؟! بل اعني هنا استثمار الزيارة دلالياً وفكرياً ومعرفياً بالوقوف ملياً على ما تحمله من رسائل بينية واشارات عميقة. ولعل اهم تلك الدلالات، زيارة النجف الاشرف واللقاء بالمرجع الديني الاعلى السيد علي السيستاني. فبرنامج الزيارة يخلو من اي لقاءات ثنائية ما خلا اللقاءات السياسية والدينية في حدود ابناء الديانة المسيحية. فالاولى- اي اللقاءات السياسية- اطارها طبيعي وتخلو من اي رمزية سوى في بعدها العام لاختيار العراق دون غيره من بلدان العالم. فهي بمثابة زيارة رئيس دولة ولقائه بممثلي دولةٍ اخرى. والدينية، ذات طابع “مسيحي” يتعلق بصلوات الحبر الاعظم في الكنائس او المواقع التي يختارها لاتباع ديانته كما سيحصل في اور والموصل واربيل وبغداد. وهو ما قام به في اماكن مختلفة من العالم وليس هذا محل سردها. وليكتفي القارئ بادارة محرك البحث (كوكل) للاستكشاف والمعرفة.
ولذا فان زيارة النجف ولقاء السيستاني سيكونا من بين اهم الدلالات التي تستبطنها زيارة البابا والتي يمكن ان اوجزها باختصار:
1. ان النجف ورمزها التاريخي الخالد (علي بن ابي طالب) ورمزها الحالي (علي السيستاني) يمثلان مركز التشيع الحضاري الانساني المتسامح. فقد ورد عن عليٍ صاحب نظرية “اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق” انه رد مستنكراً على احد اصحابه الذي اشار الى ان الكنيسة مكان للشرك قائلاً : بل قل لطالما عبد الله في هذا المكان. اذ اكد الامتداد الروحي والمعرفي والانساني لعليْ متمثلاً بالسيستاني، -اكد- طيلة 18 عاماً من الصراع والاحتراب الداخلي في العراق على حرمة الدماء وحمايتها من اي دين ومذهب، حتى خطت كلماته في الاشارة الى اخوتنا المسيحيين: أنتم جزءٌ منا. في كل الطرقات والتي من المزمع ان يمر بها البابا خلال زيارته. فهل يظن البعض ان البابا فرنسيس واذرعه في الكنائس الكاثلوكية في العراق والمنطقة يغفلون هذه الحقيقة وذلك الموقف التاريخي الثابت للسيستاني؟!
2. ان النجف تمثل العاصمة الدينية الاسلامية الاولى للعراق، مع احتفاظ باقي المدن بمكانتها الدينية كبغداد وسامراء. واذا كانت النجف كذلك، فانها مصدرُ الاعتدال والتسامح الذي يتطلع العالم باسره لزيارته والبخوع له.
3. ان السيستاني وهو المرجع النجفي الهوية، الانساني النزعة يمثل رمزاً روحياً وانسانياً يعبر عن كل العراقيين بكافة مذاهبهم.
نعم، سيدخل البابا في ذلك الزقاق الضيق الذي تكاد تتهاوى جدران بيوته وتتدلى فيه لفائف موصلات الكهرباء في صورةٍ لها من الرمزية ما لا يروق للسطحيين الشعبويين قبوله. ولا للمتطرفين الذين يضرهم ان تكون النجف عاصمة الاعتدال ورمزه ان يعترفوا به. ان تلك الزيارة تمثل صورة لالتحام رموز السلام في عاصمة السلام وقبلته. نعم، سيتشرف البابا بلثم اعتاب النجف ليقول بلسان حاله: ان الانسانية والتسامح والاعتدال منهج وهوية وسلوك يتفق عليه ابناء الديانات المختلفة اذا ما حكموا فطرتهم السليمة.

عن الكاتب

عباس العنبوري

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.