ثقافية مقالات

ذكريات شتاءٍ ملتهب وربيع مجدب/ ج6- العَوّاية

الكاتب ضحى الخالدي


ضحى الخالدي||

أبو القوة رجل عُرِفَ بهذا اللقب في قضائنا الصغير, لا يملك وامرأته العجوز إلا ولداً واحداً قضى شبابه جندياً مكلَّفاً, عاد من الكويت سيراً على الأقدام حتى مدينتنا الصغيرة الغافية في حضن الفرات وسط العراق, بملابسه العسكرية (البدلة –البزّة- والقمصلة –السترة السميكة المبطنة بالفراء الاصطناعي, والبسطال –الحذاء العسكري). طرق باب الدار, في تلك الـلحظات كان دخول قوات الحرس الجمهوري لشوارع المدينة, اصطادته إحدى المدرعات, وكل شاخص هو هدف مُعادٍ ولو كان أعزلاً, فالمدينة في عُرفِ الطغاة غادرةٌ خائنةٌ, وفي عرف أبنائها مظلومةٌ مغبونةٌ, وفي ميزان الحياد والإنصاف منكوبةٌ منكودةٌ.
في تلك اللحظات اخترقت إطلاقات سلاح المدرعة (البكتة) جسد الشاب النحيل.. في ذات اللحظة فتح والده باب المنزل ليرى من الطارق؟ رأى زهرة شبابه الغائب عن البيت منذ شهرين أُردِيَ شهيداً عند عتبة الدار..
بعد أن هدأت الأوضاع, شوهد أبو القوة حاشراً جثمان ولده في عربة دفع مخصصة لأعمال البناء يعرفها العراقيون, مغطّىً ببطانية عسكرية موجودة في كل بيت عراقي بخطوطها الخضراء والبيضاء, مثلما زرع القائد الضرورة في كل بيت فرحة على قول أكثر من شاعر من شعرائه. كانت ساقا الشهيد تتدلَّيان من العربة, وتخطّان الأرض ببسطال خدمة العَلَم!!
كان متجهاً نحو البساتين المحيطة بضريحي أولاد مسلم بن عقيل بن أبي طالب, ومحمد بن عقيل بن أبي طالب الشهير في المنطقة (بأبي وَروَر) عليهم السلام أجمعين, حيث اضطر سكان مدينة المسيب أن يؤمِّنوا جثامين موتاهم وبعض شهدائهم خلال أيام حرب العدوان الاميركي على العراق والانتفاضة الشعبانية لانقطاع الطريق بين المدينة والنجف الأشرف وكربلاء المقدسة.
ولعلَّ أكبر تجمع أقامه المقبور حسين كامل لسكان المدينة, كان في منطقة تقاطع بغداد- كربلاء, حيث بدأت المدرعات بتمشيط الساحة بمن فيها ممن بقي بعد امتلاء الشاحنات والحافلات التي هيَّأها الحرس الجمهوري ورفاق البعث لنقل المواطنين الى مثواهم الأخير في المقابر الجماعية حيث دفنوا أحياءً, أو أطلق عليهم الرصاص. ظلت الجثامين أياماً على حالها قبل أن يتم حملها بالشفلات –الجرّافات- الى جهات مجهولة.
جُرِّفَت بساتين النخيل التي كانت تحيط بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم, حتى أنني تذوقت معنى (أرض السواد) من مشهد هذه البساتين المترامية الأطراف بين مدينتي ومدينة سيد الشهداء عليه السلام. وقد يلاحظ قارئ كلماتي أنني أستخدم مفردة التذوق لوصف إحساسي بالمناظر, والأصوات, واهتزازات الأرض, ورائحة الموت, ذلك أن حاسة التذوق تجمع الى جانب الإحساس بمذاق المرارة في تلك الأيام, وما قبلها, وما بعدها, تجمع حواس السمع والبصر والشم واللمس.
لم أولد في مدينتي, لكنني ترعرعت فيها, لم أشعر يوماً أني أحبها, لكن تلك الأيام فيها تفطر فؤادي كلما تذكرتها, واخترت شهادتي الحية عنها انموذجاً لما جرى في ثلاثة أرباع العراق العظيم ذات نزوةٍ للقائد الملهم, جعلتني (أتذوق) طعم قولهم: ومن الحُب ما قتل.
في سكون الليل ولحظات الترقُّب لأي ركلة قد تدفع باب المنزل على ساكنيه, وتهتك حرمتهم, كانت (العوّايات) تمر بشوارعنا, في أزقتنا وأحيائنا, وتعوي أمام أبوابنا, والعوّايات هي مفردة تطلَق على إناث الذئاب وابن آوى والكلاب المهجنة مع الذئاب, أتت بها من الفلوات وأطراف البساتين, الوجبات الدسمة المقدَّمة مجاناً من أشلاء أبنائنا المقطَّعة المنثورة في شوارع المدينة وساحاتها, كانت رائحة دمائهم العطرة الزكية طازجة شهية تجتذب حاسّة شمّ الوحوش عبر المسافات الشاسعة. كانت جدتي وخالاتي يتعوَّذن بالله منها بقلوب منقبضة, وحين أسأل عن السبب يخبرنني بما وصل إليهن من معتقدات مأثورة: (خَتوَلّي.. هاي تعوي على جراوتها المقتولين) أي لتغرب بعيداً.. إنها تعوي حزناً على جرائها المقتولين, وهي نذير شؤم إذا أتت الى ولاية (مدينة) فقدت الأمهات أبناءهن, وندبنهم بالعويل كما تعوي هي. ففي العراق نندب معولات بسيمفونيتنا الأزلية: يبووووووو!
والتي ربما هي مشتقة من مفردة (يابه) بمعنى (أبي) فقد تجذر شعور اليُتم عند العراقيات في عمق وجدانهن، فتجدهن يندبن أبناءهن بقولهن يا بيّي، ويندبن أزواجهن بقولهن يا خيّي!! العراقية تشعر بالحاجة الى الظَّهر دائماً, والظَّهر في مفردات العراقيين دلالة الإسناد والدعم, لذلك حين تفقد أباها, أو أخاها, أو زوجها, تقول العراقية: (انكسر ظهري) وحين تفقد ابنها تقول: (انفكست عيني) فالولد عند العراقية هو فتحة العين على الدنيا.
ظلت العوّاية تعوي في فيلم رعب واقعي لا ينتهي, وعُدنا الى الدوام المدرسي في شهر رمضان في النصف الثاني من شهر آذار عام 1991, ومن يركّز منا على الكلاب السائبة في الشوارع على طريق مدارسنا, يجدها تحمل بين فكّيها كفّاً هنا….أو قدماً هناك..
لم أسمع صوت العواية حتى ليلة الثالث والعشرين من شهر تشرين الاول 2019 في بغداد, كنت في طريقي الى ندوة لاتحاد الخبراء الاستراتيجيين والمحللين السياسيين في العراق, حاضَر فيها أبو العراقيين وجمالهم وزهوهم وفخرهم, قائد النصر الشهيد الحاج أبو مهدي المهندس (رض.). انقبض قلبي, وكتبت عن ذلك في إحدى حساباتي على الفيسبوك, وخاطبت الشباب المغرَّر به والمخدوع بأجندات حزبية وخارجية , أن عودوا ويكفي دماءً, فوالله إنها لعَجلة موت لن تتوقف.
ما مرّ يومان حتى فُجِعتُ بالشهيدين القائد وسام العلياوي وأخيه عصام, وسارت عجلة الموت ككرة ثلجية تكبر عبر المسافات والأيام, وكانت مجزرة جسر الزيتون في الناصرية, وكانت فاجعة الشهيد أحمد مهنّا, وفاجعة شهيد الوثبة السيد ميثم البطاط التي ضربت منظومتنا الاخلاقية في مقتل, بعد ان عرَّتها فاجعة الشهيدين العليّاوي. لتتربع على قمة الفواجع كربلاء المطاروطفّه حين ارتقى قادة النصر الشهيدان القائدان الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس وثلّةٌ من الشهداء العراقيين والإيرانيين الابرار, وظلت كرة الموت تكبر وتكبر يوماً بعد آخر لتتحول الى كرة من نار تأكل الوجدان والوعي المجتمعي, وتجعل أمر القرم من الناس بيد الصبية وأراذل القوم, في نكبة من نكبات الدهر, إن نام عنها الناس, فلا فواق بعدها. وأرجو ملاحظة نقطة مهمة أنني لا أساوي هنا مطلقاً بين الانتفاضة الشعبانية 1991, وبين ما حدث في تشرين 2019 من تغرير بالشباب العراقي, وفقدان للهوية.
انتهى.
حتى الآن على الاقل…

عن الكاتب

ضحى الخالدي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.