تقارير

ما سر “الضغط” الامريكي على السعودية؟!


محمود الهاشمي ||

تعد العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية هي الاكثر ثباتاً عن جميع علاقاتها مع دول الشرق الاوسط الاخرى، فلم تتاخر السعودية في ان تقف الى جانب المخططات الامريكية في المنطقة، والعالم اجمع ،حتى اعتبر المفكرون ان واحدة من اسباب اطالة امد التواجد الامريكي في المنطقة، بسبب السعودية واموال دول الخليج الاخرى التي غالباً ما تكون تحت “القرار السعودي”..في الجانب الاخر يرى مفكرون ان واحدة من اسباب “قوة اسرائيل” وبقائها رغم الحروب والمعارك، التي خاضها العرب ضدها، انها سخرت مالها وارضها وشعبها وسياستها في خدمة امريكا واسرائيل..
السعودية “بنت طيعة” لامريكا، ولم ترد لها طلباً الى درجة انها حولت ابناء بلدها الى “حيوانات مفخخة” ليفجروا انفسهم هنا او هناك لخدمة امريكا، كما ان الحكومة السعودية غالباً ما تؤكد “قوة” العلاقة مع امريكا وتفخر بذلك، وتحملت وزر ذلك كثيراً سواء من قبل شعبها او من شعوب الدول الاخرى.
قد يعتقد البعض ان الخلاف بين الولايات المتحدة والسعودية قد بدأ في عهد الرئيس الامريكي الجديد “بايدن” بل بدأ ايام الرئيس السابق “ترامب ” حين رفع شعار “امريكا اولاً” بمعنى ان كل الدول بما فيهم “اصدقاء امريكا”، ان يكونوا في خدمة امريكا، دون النظر الى حجم التاثير والحيف الذي سوف يقع على الاخر، لذا فان ترامب سرعان ماطالب السعودية بالدفع، “المال مقابل الحماية” وحلب منها “450” مليار دولار، فيما هزيء من ملوكها امام انصاره والعالم اجمع !
ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” لم يتأخر في الاستجابة الى اي طلب امريكي، فقد مسخ هوية وتاريخ الجزيرة، وبنى صروح الرقض والغناء في مدينة “النيوم ” وسمح بالتدخل في المناهج الدراسية، ومحا الاثار الاسلامية وحول بيت الرسول محمد “ص” الى مراحيض، ويعمل في خطته لعام “2030” الى ان يحول السعودية الى دولة علمانية.
قضية الخاشقجي ليست باكثر من سيناريو، اعد في البنتاغون لابتزاز ملوك السعودية ، فقبل الخاشقجي الالاف من اصحاب الراي تم قتلهم واعدامهم، بطرق بشعة غير قطع الرؤوس وذلك بحملهم بطائرات الهليكوبتر، والقائهم من الاعالي الى رمال الصحراء الملتهبة المتهيجة، في منطقة (الربع الخالي)ليقتلوا بهذه الطرق، البشعة وغيرها وتحت نظر الامريكان خاصة وان ادارات الامن والداخلية كانت الى حد قريب بيد المحترفين من الامريكان ودول الغرب.
بدأ الابتزاز للامراء السعوديين ايام الرئيس الامريكي السابق ترامب حيث ترك الامر لمهاجمة الامراء ” والكشف عن الجريمة خطوة فخطوة عبر الاعلام الامريكي صحيفة “واشنطن بوست” فيما بقيت الحكومة الامريكية مراقبة وتجني المليارات بدعوى “غلق الفضيحة”!!
السعودية وعلى راسها “محمد بن سلمان ” لم يعارضوا التطبيع مع “اسرائيل” بل اجتمعوا بنتنياهو في جدة واعلن ذلك الاعلام الصهيوني دون رد من “المملكة” كما لم يعارضوا دول الخليج الاخرى مثل البحرين والامارات وكذلك السودان.
السؤال المحير للكثيرين: اذا كان حكام المملكة “طيعين “الى هذا الحد فلماذا هذه الهجمة من قبل امريكا عليهم؟..
لاشك ان جميع التهم التي توجه الى حكومة بن سلمان هي “حقيقية” سواء في ملف حقوق الانسان الى مقتل خاشقجي الى “الجبري” الى التعذيب بالسجون واعتقال المخالفين ولكن هذا “التاريخ الاسود” لال سعود عريق وبدى منذ ثلاثة قرون فاين كان عنه الامريكان؟.
خلال الاشهر الاخيرة جرت اتصالات للحكومة السعودية مع روسيا والصين زار خلالها وزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان روسياوتمت مناقشة ملفات عديدة تتعلق بالقضايا الاقليمية “وتسوية النزاعات بالشرق الاوسط “وتكثيف الجهود للمزيد من الاستقرار بالمنطقة”، ومثل ذلك كان مع دولة الصين “في مجال التنمية” .
يبدو ان هذا الحراك السعودي لايعني شيئاً بالنسبة لامريكا فمازالت ممسكة بعصا الضغط على الاسرة الحاكمة وعنوانها “محمد بن سلمان” وكان امريكا تعلم ان السعودية غير قادرة على الخروج من الشبكة الامريكية، فيكفي ملف “خاشقجي” ان يؤدي بمحمد بن سلمان الى “الاعدام”.
الولايات المتحدة تريد منذ اعوام ان تعيد ترتيب خارطة الشرق الاوسط بعد ان خلطت اوراق المنطقة في “ربيعها العربي” وصفقة القرن جزء من الترتيب وليس كله، ويؤكد الاعلام الغربي على مصطلح “سايكس بيكوالجديدة، “كما ان لدى الولايات المتحدة رغبة بالانسحاب العسكري من الشرق الاوسط حيث صرح اكثر من مسؤول امريكي بذلك بما في ذلك ترامب “لم يعد الشرق الاوسط من اولوياتنا” !
ان “القلق” الامريكي من الصين سيدفع بها حشد جميع امكانياتها والتوجه نحو “المحيط الهادي” حيث الخطر الصيني.
اسرائيل من جهتها ورغم “جلبة التطبيع” تشعر ان هذه “الجلبة “غير امينة والسبب ان ليس المهم ان تعلن “التطبيع” بل الاهم “ادامته” وهذا غير متوفر حيث ان التطبيع مع مصر مجرد حبر على ورق ومثل ذلك مع الاردن اما مع موريتانيا فقد اسقط الحكومة المطبعة!!.
ادركت اسرائيل تماماً ان الغطاء الامريكي لم يعد مضموناً وهي التي تمتلك مجسات استشعار كافية لمعرفة الواقع الامريكي في الداخل وتدرك ان اليهود رغم مرور عقود عليهم داخل اسرائيل فانها مدد قصيرة لم تشعر “اليهودي الاسرائيلي” بان تلك ارضه “فلسطين” وان الدفاع عنها واجب مقدس فما زال الشعب الفلسطيني يجاهد بالعودة الى ارضه واليهود في صراع وعدم انسجام فيما بينهم ناهيك ان اليهودي في طبيعته لايميل الى التفاعل مع البلد الذي يسكنه لانه يعتبره عاملاً معوقاً لمشروعه الاقتصادي العالمي (وطنك حقيبتك) في ذات الوقت فان منطقة الكيان الصهيوني غير جاذبة لرأس المال اليهودي في العالم لانهم يدركون انها غير متوافقة مع بعضها ولا مع محيطها وانها تحت (مصير حرب) في كل ساعة.
المشروع الامريكي الاسرائيلي يقضي تكوين تكتل عسكري اسموه “الناتو العربي” بقيادة اسرائئيلية وبجيوش من مصر والاردن والمغرب والسودان وكذلك تكتل اقتصادي تقوده الامارات ورأس ماله من دول الخليج الاخرى بالاضافة الى انه تكتل سياسي باضافة اسرائيل الى جامعة الدول العربية!! هذه الخطوات تصطدم بارادة “سعودية” والسبب ان دول الخليج الاخرى لاتملك سمات “دولة” بسبب صغر مساحتها وقلة عدد سكانها ولا تملك جيوشا كافية لحماية بلدها واغلبها تحت “الحماية الاجنبية” اما السعودية فهي اكبر دول الشرق الاوسط مساحة وتشكل الجزء الاكبر من شبه الجزيرة العربية (حوالي مليونا كم 2)وعدد نفوسها “35 “مليون نسمة ولديها احتياط نفطي كبير وثروات معدنية هائلة اغلبها لم يستخدم حتى الان فيما تملك جيشاً كبيراً يصل عدده الى “500” الف منتسب بكافة الصنوف ولديه تسليح متقدم بالاضافة الى مكانتها الدينية، ولديها مؤسسات امنية واقتصادية وقضائية مستقره ومتقدمة .
هذا البلد “السعودية” الذي لم تتوحد اجزاؤه الا عام “1932”م بعد ان كان مجزأً “الحجاز، عسير ،نجد ،حائل، القصيم، ،الاحساء ،الوشم”..تنظر قياداته الى انها تملك سمات “الزعامة” على دول الخليج اولاً وعلى دول اخرى وغالباً ما تفرض قرارها بالجامعة العربية وربما خالفت امريكا في مراحل مختلفة وخاصة عام 1973 في حرب تشرين ضد العدو الصهيوني حين اوقفت تصدير النفط كما ان الولايات المتحدة لاتقبل ان تنسى تدمير برجي التجارة في ايلول في عام “2001” و ان اغلب المشاركين في العملية من السعودية!!.
هناك مخطط “يجري العمل به” الى تجزئة السعودية الى ثلاث امارات وصناعة حكومات ضعيفة تبحث عن “حماية دولية” ولا نريد ان نكشف عن مخططهم فقد لايكون وقد يكون وان كان العمل جارياً عليه وادواته جاهزة خاصة بعد اخراج شخصيات “متنوعة” من السجون والمعتقلات لتعقبها الفضائح والجرائم.
المملكة ارسلت رسائل عديدة عبر روسيا والصين وقطر الى قادة الجمهورية الاسلامية لايجاد حل لامن المنطقة من جهتها فان ايران ردت بالايجاب عن كل هذه الرسائل وانها مع “ان حماية دول المنطقة ياتي من قبل دولها دون التدخل الخارجي”، قادت المملكة واقعون بين امرين الاول انهم لايرون في اسرائيل “صديقاً حميماً “وكافياً لان يبرموا معه “عقدا” عسكرياً لانهم يعلمون ان رفع الغطاء الامريكي عن اسرائيل يعني بداية لزوالها وسوف تتحشد عليها جميع الاطراف الناقمة للثار ضد جرائمها خاصة وان ثقافة الانسان العربي بالضد من اي “تواجد صهيوني”، ناهيك ان المملكة لاترى بكيان مفترض ان يحمي مصالحها، وليس لديه مثل هذه الامكانية، ان ذهاب المملكة باتجاه ايران يعني لها المواجهة مع اعداء ايران سواء في الداخل السعودي والخليجي خاصة وانها ذهبت بعيداً في هذا العداء.
المنطق يقول ان التعاون والتنسيق مع ما هو “حقيقة “مثل ايران كدولة لها وجودها وتاريخها الحضاري والديني وان المشتركات معها كثيرة قديماً وحديثا اسهل بكثير من “التعاون” مع دول مثل “الولايات المتحدة” الفارة من الشرق الاوسط واسرائيل “الكيان الزائل” ناهيك ان ايران اوراقها جاهزة بالتفاوض وليس لديها اي عقدة في هذا الملف ومدركة بالخطر الذي يحيق بالامة وقد شهد لها تاريخ الاربعين عام ونيف من عمر الثورة الاسلامية انها تحمي اصدقاءها وتلتزم بالعهود والمواثيق التي تعقدها مع دول العالم.
في ذات الوقت فان الطريق الى الصين مازال سالكاً ومعبداً بالحرير ومثل ذلك الى روسيا التي ترى في الدفاع عن اصدقائها واجباً.
اميركا بدأت بالتراجع التدريجي وهذا يقضي اعادة ترتيب المنطقة وفق مصالح دولها دون “انتظار”ما سوف تعده امريكا من مخططات جديدة، فهذه الفرصة التاريخية لاتتكرر بسهولة، وقد تتاخر لاكثر من قرن اذا لم تحزم دول المنطقة امرها.

عن الكاتب

محمود الهاشمي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.