ثقافية

لقطات من الإنتفاضة الشعبانية/ اللقطة التاسعة


إلتقطها / أحمد رضا المؤمن ||

كانت أجواء رهيبة لا يُمكن وصفها بكامل أبعادها المأساوية مهما كتبت عنها عندما دخل الجيش الصدامي مركز المدينة ، كان الشباب النجفي المؤمن يتهافتون بشوق عجيب للإستشهاد دفاعاً عن حُرمة مرقد الإمام أمير المؤمنين “ع” وقتال البعثيين الأرجاس وأزلام الحرس الجمهوري المجرم .
كانت صرخات المجاهدين تُزلزل الجبال وتُفتّت الصخور الصماء وهُم يُنادون بأعلى أصواتهم (اللهم إرزقنا الشهادة .. اللهم إرزقنا الشهادة ..) و(يا لثارات الحسين) ..
بعدها سمعنا تكبيرات وصلوات الجماهير النجفية بالقرب من العتبة العلوية المقدسة وسألنا عن السبب قيل لنا أن عالم دين من السادة آل الصدر (شهيد الجمعة المرجع السيد محمد الصدر) قام بإصدار بيان وتلاوته من على سطح كيشوانية باب القبلة أفتى فيه بالجهاد وتشكيل خلايا مُهمتها قيادة وإدارة الثورة بحسب إختصاصاتها المدنية والعسكرية والإجتماعية .. إلخ ، فتباشر الناس خيراً خصوصاً بعد أن خلت الثورة من أي قيادة ميدانية مُعلنة وموحدة ، ولكن يبدو أن الأوان كان قد فات .
فقد كان أزلام الحرس الجمهوري وآلياتهم وبتوجيه المقبور حسين كامل قد قرروا إقتحام مركز المدينة من جهة مقبرة وادي السلام فحدثت معارك طاحنة هناك أدت إلى نفوق أعداد هائلة من أزلامهم وذلك لسببين : الأول أن أفراد أزلام الحرس الجمهوري وخصوصاً اللواء المكلف بإقتحام المقبرة كان أفراده مُعظمهم ممن لم يدخُل أو يُشاهد النجف في حياته كونهم كانوا من أبناء المحافظات الغربية (الأنبار ، تكريت ، الموصل) والتي أطلق عليها النظام المقبور لاحقاً تسمية (المحافظات البيضاء !) فكانوا يجهلون طبيعة وخريطة هذه المقبرة .
وثانياً لأن المقبرة لم يكُن فيها شوارع وطُرقات كما هي عليه الآن ، وهو ما إستدعى منهُم لاحقاً تفجير المقابر لأكثر من إسبوع بعد إجهاض الإنتفاضة ليشقوا طرقات وشوارع تَمكن آلياتهم ودباباتهم من السيطرة على المقبرة بواقع (50) متر بين شارع وشارع .
عندها تصدى لهُم شباب المقاومة النجفيين المدافعين عن حُرمة المدينة وقُدسيتها وثورتها فقاموا بتصفية عدد هائل منهُم بواسطة القنص وقاذفات الآر بي جي ، حتى قيل : أن المقاتل الثائر النجفي كان يقاتل مع الموتى وقبورهم وهو ما أدخل رُعباً شديداً في صفوف القوات الصدامية التي إستعانت بالطائرات المروحية .
فيما تَمَكّن المجاهدين النجفيين من تفجير الدبابات التي حاولت إقتحام مركز المدينة من جهة شارع الإمام الصادق “ع” تمكن من تفجير دبابة قرب مصرف الرشيد وتحويلها إلى عبارة عن فحم مُشتعل ونفس الأمر حصل في شارع الإمام زين العابدين “ع” ففشل هجومهم لولا أن تدخلت طائرات الهليكوبتر التي كانت تقتنص المجاهدين وتحاصرهم بنيرانها .
تقهقر المجاهدون بفعل قصف الطائرات المروحية فتمكن أزلام الحرس الجمهوري من الوصول إلى عمق المدينة القديمة وأزقتها فبدأت المقاومة بالضعف خصوصاً بعد أن بدأ أزلام الحرس الجمهوري بإطلاق نار كثيف جداً أثناء الوصول داخل كل فرع من فروع المدينة القديمة والتي لا يتجاوز عرضها أكثر من مترين فيقومون بتمشيطه بعدد هائل من الإطلاقات النارية لمنع أي مُقاومة خلالها .
أما في مرقد أمير المؤمنين “ع” فقد ضرب المجاهدون الثوار أروع الأمثلة في الفداء والتضحية والإخلاص والشجاعة والإستبسال والإيمان أثناء قتالهم ودفاعهم عن حرمة المرقد المقدس وبقي الثوار داخله يُقاومون ويمنعون أي مُحاولة لإقتحامه وتنديسه ، وبعد أن عجز أزلام الحرس الجمهوري عن القضاء على المقاومة الشرسة والشجاعة من داخل المرقد العلوي الشريف إضطر إلى تدمير باب المرقد الشريف من جهة السوق الكبير (باب الرضا “ع”) وحرقها بالكامل ليتسنى لجرذانه دخول المرقد وتدنيسه وإعدام كل من فيه .
ولن أنسى صياح مؤذن العتبة العلوية عبر المكبرات بأعلى صوته في آخر لحظات حياته قبل أن يصعد إليه جلاوزة الحرس الجمهوري وهو ينادي : ( اللهم إرزقنا الشهادة .. اللهم إرزقنا الشهادة ..) حتى إختفى صوته وخمُد فعرفنا بأنهُ قد تم إعدامه فوراً ونال الشهادة ..
وخلال هذه الفترة وساعات القتال الشرسة والتي دامت قرابة اليومين كان المرحوم والدي قد قرر أن نختبيء جميعنا تحت السرداب لأن الأوضاع كانت تشير إلى إحتمال حصول أمور لا تُحمد عقباها ، فقذائف المورتر (الهاون) أصبحنا نُميزها جيداً من صوتها الذي يشبه الصفير أصبحت تتساقط قريباً جداً من بيت جدي ، بل سقطت شُرفات منازل جيراننا وتحطمت أجزاء كبيرة من بيتوهم .
قام والدي بمجموعة من الإجراءات الإحترازية لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه فوضع (ميز) فوق فتحات السرداب وقال بأن ذلك من شأنه في حال تهدم البيت علينا بفعل القصف أن يحمي فتحات الهواء التي قد تبقينا أحياءً فلا نموت إختناقاً !
وعندما نزلنا جميعاً في السرداب أخذنا جميع ما لدينا من غذاء وغِطاء وأفرشة لأننا لم نعُد نُفكر بالصعود أبداً ، حينها قام المرحوم والدي بفعلٍ أثار الرُعب في نفوسنا ولكنه كان إجراء إحترازي ضروري في مثل هذه الحالات الخطيرة والحساسة ، حيث قام بتوزيع أماكن جلوس كُل فرد منا تحت أحد أركان الغُرفة التي إتّخذناها ملجئاً أخيراً في السرداب ، فوالدتي كان معها أخي الصغير “صاحب” وأنا مع إحدى عماتي وأبي كان مع أخي الأوسط وهكذا بالنسبة لبقية أقاربنا ..
أما تفسير هذا الفعل في توزيعنا على أركان غُرفة السرداب فقد كان إجراءً إحترازياً يزيد من إحتمال نجاة أكبر عدد مُمكن في حال تعرّض البيت إلى القصف وسَقَوطه علينا ، ذلك أنهُ من الثابت والمعروف بأن أي بناء عندما يسقُط فإن أركانه تبقى صامدة .
ـــــــــــــــــ

عن الكاتب

احمد رضا المؤمن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.