دراسات و بحوث مقالات

قداسة الفكر الشيعي..طاقة مستدامة لإنتاج الوعي (مبادئ عامة)


الشيخ عدنان الحساني ||

لم تكن المعرفة يوما من الايام نتاجا بشريا صرفا بل من البديهي بمكان ان الوجود بكافة تجلياته المادية والمعنوية والتجريدية واعتباراته وافتراضاته وتنزلاته الواقعية والمثالية هي من تدبير البديع الحكيم وواحدة من اهم تجليات الوجود هو (العلم) ومقولة العلم بكل تشكلاته وتدرجاته وانزياحاته هي انعكاس لمقام الاسماء الالهية فهو سبحانه وحده (العليم) الذي يحيط بجميع الحقائق الوجودية وتمظهراتها .. وبغض النظر عن حقيقة العلم واقسامه ومفهومه من حيث تعلقه بالذات الالهية او من حيث ارتباطه بعالم الامكان وبغض النظر عن تعريفاته المنطقية والفلسفية فاننا لو تتبعنا ابسط تعريف لمفهوم العلم….لعرفناه بأنه الاستكشاف التام للاشياء ان باعيانها الحضورية او بصورها المكتسبة من حيث علاقاتها النظامية والقانونية..
اذن حتى يستكمل العلم كامل ملاكاته الواقعية لابد ان يستند الى مقولة اليقين وهي ذات المقولة التي يؤكد عليها الدين ..وحينما نقول الدين فنحن لانعني به مجرد التدين الذي قد يستند الى الظنون والجهالات فالتدين الوهابي ليس دينا بل ليس مظهرا من مظاهر الاستضعاف المعرفي المبرر -كما سوف نبين بعد قليل المقصود من الاستضعاف المعرفي عند الحديث عن الفكر الشيعي- وبالتالي فان الدين بوصفه تنزلا يقينيا يعكس النظام الوجودي بتمثلاته المعيارية ذات النزعة الانسانية والاخلاقية والتاريخية هو وحده القادر على ادارة الطريقة المثلى لحياة الناس.. والعلم بوصفه يقينيا (عقليا او طبيعيا) ليس الا اداة لتوفير المسوغات الاعتبارية للعمل والسلوك والتقدم باتجاه مرحلة السعادة التامة للبشر بوصفه متدينا بالدين التوحيدي الحق.
ليس مستغربا ان يشوب الفكر الاصيل بعض الظنون والموهمات بمقتضى التكثر بمسائل المعرفة والتمظهر باساليبها المتطورة والابتعاد عن مقتضياتها النصية وظروفها الزمانية والمكانية فكما اننا نؤمن ان الفيزياء علم اصيل اثبت من خلال التجربة صلاحيته لادارة العلوم المتقدمة الا ان ذلك لايخلي ساحته من الاوهام وشوائب الظنون فكثير من النظريات الفيزيائية لاتعدو كونها ترهات خالية من الادلة والكثير منها ثبت بطلانها بعد ان كانت تشكل بحسب ادعيائها حقيقة من حقائق العلم لفترة زمنية طويلة..
فهل من حقنا ان نقيم النص الديني ونصفه بالتاريخانية – كما ذهب صاحب مقالة ذبح الوعي الشيعي- ونسمه بعدم صلاحيته للتطور في حين ان كثير من النصوص العلمية الفيزيائية والنظريات العلمية بل الحقائق اثبت التطور عدم صحتها وانفصالها عن الواقع حتى ذهب علماء مدارس الغرب الى منهجين متضادين في هذا المجال وهما المنهج الاتصالي والمنهج الانفصالي للعلم أي ان العلوم منفصلة عن ذواتها الاولى وتجلياتها التاريخية فكل تطور هو انفصال عن المركز الاول للعلم وهذا يعني ان العلم التجريبي الذي تتوقف عليه اليوم كل اشكال التطور التكنلوجي هو علم لاينتمي الى نموذج موجه لا من حيث ديناميكيته ولا من حيث معاييره الاخلاقية وهي الاهم.
نعم يشكل البعد العلمي للتطور العالمي اليوم بحسب التصور الثقافي الحديث الركيزة الأهم في تحديد معايير النظام الايدلوجي الأوفق للإنسانية. فبقدر ما تقدمه الحضارة اية حضارة كانت من علوم إنسانية وتقنيات مخبرية بقدر ما تكون تلك الحضارة مهيئة لاستلام استحقاقها الريادي والقيادي بصرف النظر عن المبادئ والقواعد الأخلاقية التي تستند اليها ..
اليوم وبسبب هذه النزعة المتجردة عن فلسفة الاخلاق تحولت الرؤية الثقافية لدى الكثير من المثقفين العرب والمسلمين نحو الجنوح الى العلمانية باعتبارها ضرورة ثقافية ملحة من اجل تكوين البنية العلمية للمثقف او العالم او السياسي بوصفه متفلسفا بقيم فصل الدين عن السياسة.
وراحت النزعات العلموية ذات النسق العلماني تحيط نفسها بهالة من القداسة ولكن على طريقة الطقوس المادية فهم يرفضون ان يكون لعالم المعنى والدين دورا في تركيز الأصول الأخلاقية للعلم لان الدين بتصورهم منزوع الصلاحية من أي دور يقترب او يتقارب مع العلم .
وعلى هذا فان خلاف المثقف الديني المعبأ بالمعنى مع المثقف العلموي هو أن ما يضعه الاخير من تضاد بين العلم والدين وحين ينصّب نفسه كنصير للعلم على حساب الدين إنما جاء نتيجة خطأ في التقدير. إذ ليس ثمة تضاد بين العلم والدين إنما التعارض قائم بين مسلكين مختلفين للفهم والتفسير. من هنا فإذا كانت هناك قطيعة فهي ليست بين العلم والدين، وإنما بين النهجين العلمي بوصفه تجربة مادية والبياني بوصفه تعبيرا عن عالم المعنى. فالعلم يعتمد على معطيات الواقع والتحليل العقلي وهو ليس معنياً بالنصوص الدينية وعلاقاتها مع المعاني ذات النسق الروحي او الميتافيزيقي، وعلى خلاف منهج العلموية العلمانية يصدق الأمر مع المنهج البياني المعنوي الذي يجد في النص وماوراءه من معاني ودلالات روحية مصدره الرئيسي لتكوين المعرفة ومايساوقها من مقامات واعتبارات عقلية وعقلائية ولايشكل ذلك مفارقة مع العلم لان العلم ايضا له دور محوري في تكوين البنية المعرفية وتزويد حقول المعرفة الدينية بالكثير من المعطيات ذات السمة التطبيقية او التحليلية على حد سواء.
لهذا نحن نقول ايضا ان المثقف الاسلامي معني بحل هذه القطيعة عبر عملية التوفيق بين النزعتين من دون اللجوء الى استلاب لصلاحيات منطقة على حساب اخرى فان منطقة العلم خاضعة لمسلمات العقل والتجربة ومنطقة الدين خاضعة لمسلمات العقل والبيان. فهو -اي المثقف الاسلامي- من جانب يتقبل النتاج العلمي والسلوك المنهجي الذي يتبعه العلماء في الكشف عن أسرار الواقع وخفاياه لكنه من جانب آخر حريص على التمسك بالمبادىء والقيم التي جاء بها النص والمبادئ الدينية المتعلقة باعتباراته الشرعية والاخلاقية ، مما يجعل من المثقف الديني مختلفا تماماً عن النهج الذي عليه المثقف العلموي الذي يذهب بعيدا نحو التطرف في ازاحة الدين عن اية صلاحية معرفية.
وبالتالي يرى المثقف الديني أن العلم والدين منسجمان الى حد الاندماج بل إن المثقف الديني يعتبر النتاج العلمي لعلماء الطبيعة يشكل دعماً كبيراً لتأييد ما ينطق به النص وماتقتضيه ظروف عالم المعنى.
من هنا نجد ان الرؤية الثقافية لابد ان تكون قائمة على تشخيص الاشكالية التي اراد المثقف العلموي تركيزها من خلال ايجاد حالة من القطيعة بين العلم والدين
وبهذا تتعين إحدى اهم الوظائف التي ينبغي ان يحملها المثقف الديني على عاتقه وهي المزاوجة بين النهجين البياني والعلمي وبعبارة أدق ان يزاوج بين العلم والدين أو الواقع الذي يتصل به العلم والواقع الذي يحكي عنه النص..
هذه الحدود يعترف بها الفكر الشيعي بشكل اجمالي الا ان هذا الفكر لايتنازل عن مسلماته مع ان كثير من هذه المسلمات سواء كانت ذات اشكال غيبية اعجازية او ذات اشكال اعتبارية لها مسوغاتها من حيث التعليل والتدليل ولعل الكتب الكلامية والعقائدية مليئة بالادلة والنقاشات المدعمة بالبراهين حول هذه المسلمات..
لكن ينبغي ان نشير ايضا ان المسلمات الاعتقادية الثابتة-كالايمان بالمعصوم ومعجزاته- بوصفها دينا شيء .. والمقولات التي تنتمي الى التيار الاسلامي (الشيعي) بوصفه متدينا شيء اخر فكثير من هذه المقولات ليست ملزمة الا لمن يؤمن بها من قبيل ايمانه بقدسية الشخصية الفلانية او اعجاز الرمز الفلاني.. فبغض النظر عن قيمة ذلك الرمز والشخصية ومدى تأثيرها الفعلي على الصعيد الديني والفكري الا ان ذلك غير منوط اساسا بأصل الدين بما هو ثوابت نصوصية وحيانية وفكر اصيل حتى وان كان له مايبرره دينيا فالتبرير شيء والانتماء الى حريم الثوابت شيء اخر..

عن الكاتب

الشيخ عدنان الحساني

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.