مقالات

عتابة وسويحلي وراوتر..!

الكاتب حمزة مصطفى


حمزة مصطفى ||

لا أعرف على وجه التحديد لماذا إقترن الليل بالعتابة. أفضل من يمكنه الإجابة عن هذا السؤال الراحل جبار عكار. وعكار مولود ربابي لانظير له الإ في عود نصير شمة وكمان فالح حسن وبحة صوت زهور حسين حين تتسلطن صادحة (لولا الغرام حاكم). هؤلاء علامات فارقة وماركات مسجلة ولا تحذروا التقليد. بالعودة الى الليل والعتابة فإن أقرب مقاربة لهذا الإقتران الذي يعبر عنه بالمقولة المشهورة “جيب ليل وخذ عتابة” هو عدم وجود البدائل التي يمكن أن ينشغل بها الناس وفي المقدمة منها وسائل التواصل الإجتماعي إذا جاز التعبير آنذاك.
فماعدا الصحف التي لم يكن جبار عكار من قرائها فإن الراديو والتلفزيون لم يكونا قد وصلا وحتى لو كانا دخلا العراق (الإذاعة 1936) و(التلفزيون 1956) فإنهما لم ينتشرا الإ في المدن الكبرى أول الأمر, فالريف لم تصله الكهرباء (بالنسبة للتفلزيون) الإ في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. كان الليل هو (الونيس) الوحيد لأهالي الأرياف حيث “التعاليل” التي كانت تقوم بكل ماتقوم به الآن “السوشيال ميديا”. الفارق الرئيس بين “تعلولة” أيام زمان التي كان بطلها في الغالب مطرب وربابة وبين “تعاليل” اليوم إنها كانت وجها لوجه وعن قرب مع القهوة التي تبدأ من المرور بحمد على متن قطار الليل وتنتهي في الشاي على وقع “خدري الجاي خدريه عيوني المن أخدره”.
عقب إنتشار الميديا والسوشيال ميديا وآخرها تطبيق “كلوب هاوس” إختلفت صيغ العلاقات الإنسانية والإجتماعية. فالليل كان الحاضنة الأهم لكل علاقات التواصل بين الناس. والليل يبدأ خصوصا في الأرياف عند مغيب الشمس حيث لا مطاعم ديلفري ولا همبركر ولا كنتاكي تصلك عبر الماطور بعد أن تحجز بالموبايل نوع الوجبة التي تفضل. الوجبات المتوفرة في كل بيت هي “المثرودة والخميعة والدبس والدهن وإستكانات الشاي ودلال القهوة التي ليست من نوع بن العميد أو الفرنسية أو رضا علوان, بالإضافة الى التمر واللبن وأحيانا الرائب.
أمام تلك المغريات آنذاك يصدح صوت عكار ومن يماثله من عازفي الرباب “هلك شالوا على مكحول ياشير”. ومع تفاعل الحاضرين الذين تدور عليهم إستكانات الشاي وفناجين القهوة ينتقل الى “التجليبة” شاكيا حاله مع الليل الطويل “أجلبنك يليلي 12 تجليبة .. تنام المسعدة وتكول مدري به”. المسعدة وحدها هي التي كانت تنام بينما عازف الربابة بقي عاشقا نائحا صادحا حتى لم يعد الليل طويلا, ولم تعد هناك حاجة الى العتابة والسويحلي خصوصا في الهزيع الأخير من الليل قبيل طلوع الفجر. وحيث كان المرء بحاجة الى أصدقاء كثر يتسامر معهم وجها لوجه صار له اليوم الآف الأصدقاء الإفتراضيين الذي يتسامر معهم في كل الأوقات حيث لكل صديق توقيته الخاص لأنهم باتوا ملء الكرة الأرضية. ولأنهم لا عد لهم ولاحصر فإن علاقته معهم تبدأ مع معرفة “الباسوورد” وتنتهي بوقف النت. الأمر يحتاج الى “ترسيت” الراوتر والإ فقدت كل أصدقائك الذين “تزامط بيهم” عـ “الخالي بلاش”.

عن الكاتب

حمزة مصطفى

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.