ثقافية مقالات

مشهد من ثمانينيات القرن العشرين


✍ د. عطور الموسوي ||

في غفلة من عين الزمان، استلم المجرم صدام سدة الحكم بعد ظهور الرئيس السابق احمد حسن البكر على شاشة القناة التلفزيونية الوحيدة في العراق ليلة السابع عشر من تموز عام 1979 وهو يعلن :أنه تنحى عن الرئاسة لسوء صحته، وأن الرفيق صدام حسين هو رئيسا للعراق، سيناريو غريب لم يحصل من قبل في بلد عُسكرت فيه السلطة وتعود على الانقلابات الدموية والسحل والتمثيل بالقتلى وبيانات رقم واحد، ولكن كل من عرف صدام علم ما سيؤول له العراق، نعم بدأت حقبة دموية مظلمة من تاريخ العراق ولم تنته .
بعد أشهر قلائل كشّر البعثيون عن أنيابهم البشعة وأعلنوها حربا بلا هوادة على الدعاة يوم أصدر ما يسمى بمجلس قيادة الثورة قرارا موقعا من صدام حسين بصفته رئيس المجلس ينص على إعدام الدعاة ومن يساندهم ومن يتستر عليهم وبأثر رجعي يشمل كل من اعتقل قبل إصداره، رقم القرار (461) في 30 آذار عام 1980،أعطى (الرئيس) لنفسه بنفسه ضوءا أخضرا للقضاء على هذا الفكر النير وخيرة مثقفي العراق، هكذا كانت السلطات الثلاثة كلها في قبضة رجل أقل ما يقال عنه أنه محب للدماء.
بعد أقل من اسبوع من هذا القرار الإجرامي وفي الخامس من نيسان أعتقل السيد المرجع المفكر محمد باقر الصدر وأخته العلوية المربية آمنة في ظل تكتيم إعلامي، وبعد أيام قلائل كانت دهورا من قمع وتعذيب وصراع الحق مع الباطل وأساطيرا من صمود وثبات، أقدم المجرم صدام على قتلهما دون أن يبالي بمكانتهما ..فما كان أجرأه على انتهاك الحرمات وسفك الدماء الزكية وكأن الطغاة يتواصون بالإجرام ..
لم ينتظر صدام مصيرا كمصير شاه ايران عند عودة السيد الإمام الخميني لبلادة منتصرا بإرادة شعبه، وإنما أقدم على القتل ظانّا أنه استأصل المعارضة ولكن هيهات أن يتحقق حلمه .. فلقد قض مضجعه آلافا مؤلفة من خيرة العراقيين كلهم مصر على رفضه ومهما كلفه ذلك من تضحيات.
كثف جهوده في القطاع الأمني استعدادا للقمع والتنكيل، ففي نفس العام تم تحويل آلاف الموظفين المدنيين من وزارة الداخلية الى دوائر الأمن تعزيزا لكوادرها التي ستواجه مهام كبيرة في مخطط القضاء على خيرة الشباب المؤمن، الذي انتهج الصدر فكرا ومنهجا بثبات كأنصار الحسين.
أخذت الهجمة البعثية الهمجية تشتد لاعتقال نخب المجتمع، فعم الحزن والثكل في كل بيت طالته هذه الأيدي الآثمة، وصارت المعتقلات تضيق بنازليها فحولوا بيوت المسفرين من العراقيين الى معتقلات انتشرت في أرجاء البلاد، لم يكن أيا من معارضي صدام قد فجر نفسه في سوق او قرب مدرسة، ولم يعتد أحدهم على البنى التحتية، وانما كانوا هداة للمجتمع ومغيرون نحو الفضيلة، وهذ ما أرعب طاغية العراق وتدارك الخطر بقبضة من نار وحديد، وتعددت أساليب قمعه بين الإعدام شنقا والدفن في مقابر جماعية والتسميم، وبين الإذابة في التيزات والتفجير بالألغام وفرم في مفارم ضخمة نصبت على نهر دجلة .
وشاءت مشيئة الله أن يكون نيسان 2003 آخر شهر في حكمه المستبد وتتهاوى أصنامه في نفس اليوم الذي أقدم به على تلك الجريمة النكراء لتحقق مقولة : أن الله يمهل ولا يهمل .

عن الكاتب

د. عطور الموسوي

أكاديمية وباحثة بالشأن السياسي وناشطة مجتمعية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.