ثقافية مقالات

أوهامُ الكهفِ وأصنامُ العقلِ!


أ.د علي الدلفي ||

للإعلام؛ في العموم؛ دور خطير في بناء المنظومة الفكريّة والثّقافيّة لدىٰ المجتمع. وتكمن خطورته في تزييف الحقائق التّاريخيّة وقصف العقول؛ وذلك بناءً علىٰ رؤية المفكّر الإنگليزيّ “فرنسيس بيكون” وما كتبه في كتابه: “الأورجانون الجديد” الذي يعدّ بمثابة سخرية شاملة من فكر فلاسفة الإغريق؛ مثل: “أفلاطون وأرسطو” اللذين كان يراهما “بيكون” اثنين من العجائز العاطلين يخاطبون حشدًا من الشباب الجاهل؛ إذْ رأى “بيكون” أنَّ فلاسفة الإغريق لم يقدّموا للعالم أيّة فائدةٍ عمليّةٍ تساهم في تطور الإنسان ليعيش حياةً أكثر رغدًا وعلمًا. وحينما فكّر “فرنسيس بيكون”؛ مؤسّس الفكر العلميّ؛ في الأوهام الأربعة أو ما تُسمّىٰ: بالأصنام الأربعة: (صنم القبيلة؛ وصنم الكهف؛ وصنم السّوق؛ وصنم المسرح) التي تُباعد بين الإنسان والحقيقة، كان كأنّما يفكّر في أزمة الإنسان العربيّ في العموم؛ والعراقيّ علىٰ وجه الخصوص؛ لا الأوربيّ. وكان كأنّما يفكّر في اللّحظة العراقيّة الرّاهنة، وليس لحظة التّعافي الأوربيّ من سطوة هيمنة أدعياء (الدّين) المسيحيّ ورجال (الكنيسة)! وقد ثار “بيكون” علىٰ الغيبيات وعلىٰ منطق “أرسطو” الميتافيزيقيّ.
في كتابه: “الأورجانون الجديد” فنّد “بيكون” الأصنام الأربعة؛ أو الأوهام الأربعة وقال: “يجب علىٰ العقل الجمعيّ العالميّ التّخلّص منها حتّىٰ يشارف تخوم الحقيقة. تلك الأصنام ترسّخت في العقليّةِ الإنسانيّةِ علىٰ مرّ العصور، فزرعت في عقولنا جميعًا مجموعة من الأوهام والخرافات والتقاليد الفاسدة التي تباعد بيننا وبين جوهر العقل الصّافي ومعدنه الأصيل الذي خلقه الله فينا لنصل به إلىٰ الحقيقة”.
وأوّل تلك الأصنام، صنمٌ جمعيٌّ عامٌّ يخصّ الجنس البشريّ بكامله، وأسماه “صنم القبيلة” Tribe Idol لأنّه يخصّ “قبيلة الإنسان” بكاملها. وهو الهوىٰ الشّخصيّ ومجمل المعتقدات الزّائفة المغروسة في الطبيعة الإنسانيّة، فتشكّل أحلامه وأمانيه وحدوسه التي تنزع نحو التّعميم في الأحكام وعدم تحليل الأمور علىٰ نحوٍ علميٍّ منطقيٍّ، بل علىٰ العكس تجعل الإنسان يُسلّم دون وعي بمعتقدات قبيلته أو عرقه أو جماعته. فالعقل البشريّ لا يقبل إلاّ ما يوافق نزعاته وميوله، ولا يتلفّت إلىٰ التجارب التي لا تتفق مع رؤاه وترضي ميوله، لهذا نستسلم للخرافة والسّحر والأحلام والتّنجيم!
الصّنم الثّاني يخصُّ كلّ إنسانٍ علىٰ حدةٍ. وأسماه بيكون “صنم الكهف” Cave Idol. وهو استلهام من قصة الكهف التي نسجها أفلاطون ليدلل علىٰ أنّ الإنسان، كلّ إنسان، أسيرٌ في كهفه الخاصّ المعزول عن الرؤية الشاملة الخاضعة للمنطق والعلم. فكلّ إنسانٍ هو عبدٌ تابعٌ لبيئته الخاصّة ومستوى تعليمه وثقافته وظروفه الخاصّة وتجاربه الشّخصيّة وملكاته وعيوبه. كلّ ما سبق يحاصر عقلَ الإنسان ويفرض عليه لونًا من العزلة فيظلّ متقوقعًا في كهفه المحدود، ولا يرىٰ من العالم ومن الحقيقة إلا ظلال أفكاره وتجاربه الشّخصيّة الضّيّقة. أمّا قصّة أفلاطون فتحكي عن مجموعةٍ من البشر مقيدين بالسّلاسل داخل كهفٍ مظلمٍ ليس به إلا فتحة صغيرة، ظهورهم إلىٰ هذه الفتحة. فلا يشاهدون من الحياة الخارجية إلّا ظلال البشر السّائرين بالخارج المنعكسة علىٰ جدار الكهف المقابل لعيونهم. وفق منهج أفلاطون؛ فإنّ العالم الخارجيّ، خارج الكهف، هو عالم المُثُل وهو العالم الحقيقيّ غير المرئي لنا، وأمّا داخل الكهف، فهو الحياة التي نعرفها علىٰ الأرض وهي زائفة لا ترى من الحقيقة إلا ظلالها.
أما الصّنم الثّالث، فهو “صنم السّوق” Market-place Idol، وهو الآراء والمعتقدات المغلوطة النّاتجة عن تواصل البشر مع بعضهم البعض وتناقلهم الأحاديث دون علمٍ. وينتج عن هذا الصّنم تشويه المصطلحات والتعريفات وتعميم الأمور؛ بسبب تداول البسطاء والعامّة والدّهماء لآراءٍ علميّةٍ دون فهمٍ ولا درايةٍ ولا دراسةٍ؛ في المقاهي والأندية والأسواق التّجاريّة وغيرها من مناطق تجمّع النّاس، يتداول النّاس في شؤون الحياة والطبيعة والسّياسة بلغةٍ مشتركةٍ بعيدة عن المنطق، فتفقد الألفاظُ دلالتها الحقيقيّة وتستقرّ في الأذهان مجموعةٌ من المغلطات المشوهة؛ كما هي الحال؛ اليوم؛ في أغلب ما يُطرح في وسائل التّواصل الاجتماعيّ الحديثة.
وفي الأخير، نصل إلىٰ الصّنم الرّابع، وهو الأهمّ؛ لأنّني أرىٰ فيه آفة عصرنا الرّاهن في مجتمعنا العراقيّ.
“صنم المسرح” Theatre Idol، وهو تزييف المصطلحات علىٰ يد (الإعلام والنّخبة). إنّها الأفكار المغلوطة التي نتداولها عن المذاهب والمدارس الفكريّة التي تشكّلها القيادات والمشاهير ذوو النفوذ والتأثير المجتمعيّ العميق في الأفراد في كلّ مجتمعٍ. وهي الآراء التي تناقلناها عن أفواه السّلف القديم وأبنائهم دون تفكير. وبالرّغم من أنّ “بيكون” كان يقصد “بالسلف” أرسطو وأضرابَه من فلاسفة الإغريق الذين ناصبهم العداء، إلّا أنّ الأمر ينسحب؛ اليوم؛ علىٰ كلّ من نراهم (علماء ومفكّرين أجلّاء وأولادهم) في كلّ عصرٍ ومكانٍ. نحفظ أقوالهم ونسلّم بها ونتداولها ونردّدها كالببغاوات دون أنْ نتدبّر أقوالهم ونفنّد ما بها من مغالطاتٍ علميّةٍ أو آراءٍ سياسيّةٍ قد لا تصلح لزماننا الرّاهن. إنّه التّسليم المطلق بصحّة تلك الآراء دون ذرّة شكٍّ تخالجنا في جواز خطأها أو نقصها. ودلّل “بيكون” بمثالٍ عن العالم “جاليليو” الذي أثبت بالتجربة العمليّة أنّنا لو ألقينا من مكانٍ عالٍ بحجرين، أحدهما يزن رطلًا والآخر يزن عشرة أرطالٍ، فإنّ كليهما سيصلان الأرض في اللّحظة نفسها. ورغم أنّ تلك التّجربة قد شهدها أساتذة في الفيزياء وعلماء رياضيات وشهدوا بصحّتها، إلّا أنّ (المشاهدين) أنكروا التجربة وكذّبوا عيونهم؛ لأنّ “أرسطو” قد قال (قبل قرون) إنّ الحجر الأثقل وزنًا سوف يصل إلىٰ الأرض أوّلًا! ذلك أنّ علوم الفيزياء المحدودة وقت “أرسطو” لم تدعمه بحقائق علميّةٍ مؤكّدةٍ لن يصل إليها العقل البشريّ إلا بعد قرونٍ من موت “أرسطو”. تلك المغالطات الفكريّة هي التي تشكّل المنظومة الفكريّة والدوغمائيات التي تمّ تلقينها للمجتمع لتُسيّر حياتنا الرّاهنة!! وهي غير قابلةٍ للنقد بزعمِ أنّ كلّ ما قاله (الأقدمون) خطٌّ أحمرُ لا يجوز الاقتراب منه. والتّشبيه الذي أراده “فرنسيس بيكون” هنا يصوّر البشر بمجموعة من المتفرّجين في عرضٍ مسرحيّ يمثّله الأقدمون علىٰ خشبة (المسرح) في عرض هزلي زائف تمّ حبكه من منظومةٍ من الأحكام المسبقة غير العلميّة وغير الدقيقة، وهي التي تقف حجر عثرةٍ في وجه الحقيقة، فتمنعنا من مشارفتها.
ما أكثرُ ما تنطبق أفكار “فرنسيس بيكون” بقوّةٍ علىٰ لحظتنا الرّاهنة بكلّ ما تحمل من فوضًىٰ وعبثيّةٍ وافتقارٍ للعلم في مجتمعنا العراقيّ. وبالأخصّ صنما: “السّوق” و”المسرح”. أظنّ أنَّ لا مهربَ لنا من مأساتنا الفكريّة والثقافيّة الرّاهنة إلّا بتبنّي مقولة “بيكون العاقلة”: “لا تقرأ لتعارض وتُفنّد؛ ولا لتؤمن وتُسلّم؛ ولا لتجد ما تتحدث عنه؛ بل اقرأ لتزن وتفكّر وتحلّل”.
ـــــــ

عن الكاتب

د.علي الدلفي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.