دراسات و بحوث مقالات

تأريخ العلاقات المغربية – الإسرائيلية

الكاتب ضحى الخالدي


ضحى الخالدي ||

حرص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على إبرام صفقة مغربية- إسرائيلية- أمريكية خلال الفترة الرئاسية الانتقالية في واشنطن 2020-2021، وتتلخص هذه الصفقة باعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل إعلان استئناف العلاقات المغربية- الإسرائيلية، حيث سعى الملك محمد السادس بواسطة زعيم الجالية اليهودية الصغيرة المتبقية في المغرب سيرج بيرديغو منذ عام 2006 في الحصول على مساعدة إسرائيل من أجل إقناع أميركا بالقبول بضم المغرب للصحراء الغربية الذي تحقق أخيراً على يد الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب نهاية العام 2020, بعد أن تحاشت الإدارات السابقة ذلك، و كان يحضر هذه الاجتماعات أحياناً رئيس وكالة المخابرات المغربية ياسين المنصوري الذي كان يلتقي بنظيره الإسرائيلي رئيس الموساد السابق يوسي كوهين.
يروِّج الإسرائيليون اليمينيون أمثال الكولونيل المتقاعد الدكتور رافائيل جِي. بوشنيك- تشين الكاتب في مركز بيغن- السادات للدراسات الإستراتيجية الى أن الجزائر وإيران والسلطة الفلسطينية يقفون وراء تأليب جبهة البوليساريو للقيام بأعمال العنف لتعطيل التقدم المستمر نحو التطبيع بين إسرائيل وما أسماه بالدول العربية السنّية المعتدلة، ويتخوَّف من أن ذلك سيضيِّق نطاق اتفاقيات إبراهيم، فقامت السلطات المغربية بتفكيك مخيم العيون في الثامن من تشرين الثاني- نوفمبر2020، فردت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (جبهة البوليساريو) بإغلاق طرق مرور الشاحنات القادمة من موريتانيا عبر الصحراء الغربية، ثم شنت القوات المغربية عملية عسكرية لتحرير حركة البضائع، فأعلنت جبهة البوليساريو في الرابع عشر من تشرين الثاني- نوفمبر 2020 عن الإنتهاء الفعلي لوقف إطلاق النار الذي دام لتسعة وعشرين عاماً، وأن الجبهة أصبحت في حالة حرب مع المغرب.
اندلع الصراع بين المغرب والسكان الصحراويين مع انسحاب الإستعمار الإسباني من الصحراء الغربية، واستمر الصراع المسلح ما بين عامي 1975 و1991. على إثر ذلك تأسست جبهة البوليساريو في 20 أيار- مايو 1973، وتسعى لتحرير الصحراء الغربية مما تراه استعماراً مغربياً، ويذكر أن الأمم المتحدة لا تعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، ولا بالجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية التي أسسها مصطفى السيد في الزويرات- موريتانيا، فيما الأمين العام والقائد الحالي لجبهة البوليساريو هو إبراهيم غالي، ويقع مقر الجبهة الرئيس ومخيمات اللاجئين الصحراويين في ولاية تندوف الجزائرية، وقد رفض المغرب إقامة استفتاء تقرير المصير الذي تقدمت به بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (المينورسو) عام 1997. هذا وتحتضن الجزائر المجاورة، الأمانة العامة لجبهة البوليساريو ومئة ألف لاجئ من سكان الصحراء الغربية، الأمر الذي تسبب لعقود بتوتر العلاقات بين البلدين الجارين، حيث تتهم المملكة المغربية الجزائر بدعم مقاتلي البوليساريو وتزويدهم بالأسلحة، الجزائر التي قدمت اقتراحاً للأمم المتحدة عام 2002 بتقسيم الصحراء الغربية بين المغرب والبوليساريو، حسب تقرير الأمين العام الأممي.
جاء الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية يوم الخميس العاشر من كانون الأول- ديسمبر 2020، بمثابة الأمر الذي اعتبرته جبهة البوليساريو تعويضاً أميركياً للمغرب مقابل إعلان التطبيع الكامل مع إسرائيل على حساب قضية سكان الصحراء الغربية. ورغم قرار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الاعتراف بالسيادة المغربية على هذه المنطقة، أكد الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة أن موقف أنطونيو غوتيريش لم يتغير حيال الصحراء الغربية. وتعتبر صحف اليسار الصهيوني مثل هاآرتس أن صفقة السلام الإسرائيلية- المغربية هي اتفاق احتلال مقابل احتلال في إشارة للاحتلال الصهيوني للأراضي المحتلة في مفارقة مضحكة، لأن الاحتلال بنظر اليسار الصهيوني هو ما تجاوز حدود 1967! وأن الأمة الصحراوية تدفع ثمن هذا التطبيع. وذكرت وكالة رويترز في كانون الاول 2020 أن المغرب ستحصل على صفقة طائرات مسيَّرة متطورة من الولايات المتحدة إضافةً إلى ما حصلت عليه من اعتراف بسيادتها على الصحراء الغربية في تحدٍّ لافت من إدارة ترامب لقرارات الأمم المتحدة التي لم تستطع منذ أكثر من أربعة عقود أن تبتّ بهذا الأمر.
أما صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية اليمينية فقد ذكرت أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كان مشاركاً في محادثاتٍ سابقة أجراها وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو ومستشار الرئيس السابق دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر مع الملك المغربي محمد السادس لدفع الأخير لاتخاذ القرار باستئناف العلاقات مع إسرائيل، وقدَّر أحد مستشاري ملك المغرب أن ولي العهد السعودي لديه قائمة تشمل دولاً عربيةً وآسيويةً مثل عُمان وجيبوتي وإندونيسيا وباكستان لاستكمال دائرة التطبيع مع إسرائيل، وحالما يتحقق التقارب الحقيقي ستعلن السعودية عن التطبيع الذي يمتد إلى عقود من التعاون السري.
يعود تأريخ العلاقات بين المغرب والكيان الصهيوني الى اتفاقٍ وثيقٍ على التعاون في الشؤون العسكرية والاستخبارية، والاغتيالات، وهجرة اليهود إلى إسرائيل، يقرب عمره من ستين عاماً، ولكن بشكل سري. تأريخ طويل من التخادم تحدثت عنه حتى الصحف الأميركية مثل نيويورك تايمز، فعلى سبيل المثال بعد أن قام الموساد الإسرائيلي بإخبار الملك السابق الحسن الثاني بنيّة المعارض المغربي المهدي بن بركة الإطاحة به، كافأهم بالسماح بهجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل من جديد، والتي توقفت بعد العام 1956. وفيما بعد أُستُدرِجَ المهدي بن بركة إلى فرنسا عن طريق الموساد الذي وثق به بن بركة وطلب منه المساعدة في التخلص من الملك؛ ليتم التحقيق معه وتعذيبه حتى الموت، ولا يوجد له قبر حتى الآن.
سمح الملك الحسن الثاني للموساد بإقامة محطةٍ لهم في المغرب، كما قدمت إسرائيل للمغرب الأسلحة وتكنولوجيا المراقبة، ودرَّبت المغاربة عليها، بل والأدهى من ذلك أن المغرب سمح للموساد بالتجسس على قادة الدول العربية في أجنحتهم الخاصة في قمة الدار البيضاء في الثالث عشر من أيلول– سبتمبر 1965، و قدَّمت العملية لإسرائيل منفذاً غير مسبوق للتفكير العربي والقدرات والخطط الحيوية في وزارات الدفاع لحرب عام 1967، وبعد عقد من الزمن أصبحت المغرب موقع الإجتماعات السرية بين المسؤولين المصريين والإسرائيليين قبل اتفاقية كامب- ديفيد 1978. التقى الملك الحسن الثاني رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز أربع مرات على الأراضي المغربية- مرتين بشكل علني، ومرتين بشكل سري، وقد وصف بيريز الملك الحسن الثاني ساعتها بأنه صديق كبير لإسرائيل مثل والده (الراحل) الملك محمد الخامس. فيما بعد تم تقديم التبريرات بأن هذه اللقاءات التي تمت في ثمانينيات القرن العشرين كانت تمهيداً لاتفاقات أوسلو! وكأن هذه الاتفاقات هي اتفاقات سلام حقيقية ضمنت حقوق الشعب الفلسطيني، فيما لم تكن أكثر من اعتراف عربي بشرعية الكيان الصهيوني كدولة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد عقود من الحروب الخاسرة، وملايين اللاجئين الفلسطينيين حول العالم، لا سيما في الدول العربية.
كشفت الأحداث عن مطامع إسرائيلية في أراضي شمال أفريقيا تتجاوز حوض النيل الى سواحل ليبيا والجزائر الغنية بالغاز والنفط، والمغرب المطلّة على مضيق جبل طارق، لتتمتع بمزية الاتصال البحري المفتوح مع أوروبا وأميركا، بعيداً عن أي مناكفات مع الجانب التركي قد تحوِّل الصديق القديم الى عدو اقتصادي وجيواستراتيجي، بسبب مئة وخمسة وعشرين تريليون متر مكعب من احتياطي الغاز شرق المتوسط.

عن الكاتب

ضحى الخالدي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.