تقارير مقالات

دلالات ومألات حرب الناقلات في الخليج


محمد كاظم خضير ||

إسقاط السيادة هدف الغرب الاستعماري في مناطق ودوائر هيمنته ، والجغرافيات التي يريد التمدد فيها ،وكل دولة ذات سيادة ستكون هدفا للغرب .ومشيخات الخليج بلا سيادة ،لأنها دويلات تابعة وأداة للمشروع الغربي في المنطقة .مشيخات الخليج ملك يمين الولايات المتحدة الأمريكية ،منذ انتقلت الوصاية عليهم من بريطانيا إليها. من يظن (دويلات محطات البنزين)هدفا للغرب لا يرى ولا يعي حقائق السياسة والاقتصاد والأمن .
إيران هي الهدف ،وإسقاط سيادتها يتدرج الغرب فيه منذ عقود من الحصار الاقتصادي ،بانتظار إيصالها إلى أضعف وضع ساعتها سيتم استخدام القوة العسكرية كضربة قاضية ،لكن إيران تنمو عسكريا ،وهي أقوى مما كانت عليه في الثمانينات بفارق نوعي ،بل طفرات عسكرية وعلمية جعل منها قوة إقليمية هي الأهم في المنطقة.
بسم الله الرحمن الرحيم (( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) (64) سورة المائدة المباركةصدق الله العلى العظيم ,
تفجير الفجيرة الذي طال السفينة الإسرائيلية ، أتت في ظل ارتفاع منسوب التهديدات العسكرية المتبادلة بين تل أبيب وطهران، مع حشود للقوى العسكرية المتمركزة في الخليج، وتحريك الأسطول والقطع العسكرية فيه، وتراشق بالتصريحات العنيفة، والاتهامات المتبادلة بين الأطراف المعنية بالتطورات المتلاحقة.
جاء التفجير لتنبّه وتحدث صدمة لكل الذين يريدون إشعال فتيل الحرب، ويصعّدوا ويدفعوا بالمنطقة إلى المواجهة العسكرية. فالمسألة ليست محصورة بين واشنطن وطهران فقط، إذ إن الانفجار العسكري إذا ما حصل، لن يوفر دولة في المنطقة أو مرفقاً اقتصادياً أو شرياناً طاقوياً حيوياً. فذراع الجميع طويلة، وليسوا بمأمن عن الفعل ورد الفعل، والتداعيات الخطيرة المدمرة التي ستلحق بالأطراف التي تتورط في الحرب كرهاً أو خياراً.
إن أول من يجب أن يتنبّه للمخاطر المحدقة ونتائج أي حرب إذا ما اندلعت، هي دول الخليج العربية، التي عليها أن تتعلم من دروس الماضي، وأن تستفيد من العبر، بعد أن زجّت نفسها خلال العقود الماضية، بحروب أفرغت خزائنها المالية، والتي لم تولّد إلا المزيد من الكراهية والتوتر وعدم الاستقرار للمنطقة وزعزعة الثقة بين دولها، وحملتها على التسابق في إنفاق مئات المليارات من الدولارات على التسلح، رغم وجود أساطيل حربية وقواعد عسكرية منتشرة على طول دول الخليج العربية، تعمل تحت عنوان مظرّف برّاق: حماية أمن المنطقة ودولها وسلامة شعوبها.
أمن المنطقة لا يتم بالمواجهة العسكرية وبالحروب التي تدفع بها جهات خارجية هي المستفيدة أولاً وأخيراً من جراء أي حرب تحصل، وفي مقدمها الولايات المتحدة و»إسرائيل». حيث لم تكن دول الخليج إلا وقوداً للحروب التي استنفدت خزائنها المالية. هكذا دعمت دون حدود حرب صدام التي فرضها على إيران لثماني سنوات، مع كل ما تحملته هذه الدول من أعباء مادية ومالية باهظة ونفقات عسكرية للوقوف بجانب حرب خاسرة من أساسها، أكلت الأخضر واليابس، وألحقت الدمار والخراب بالمرافق الاقتصادية والمنشآت الحيوية للبلدين وقوّضت الثقة لدى شعوبها.
وكانت دول الخليج أيضاً وقوداً للحرب التي تسبب بها صدام حسين بغزوه العدواني للكويت، التي كانت طُعماً أميركياً خبيثاً له، تلقفه لصدام دون أن يدرك أبعاده ونتائجه، فكانت الاستحقاقات المالية العربية للحرب كبيرة جداً وباهظة الثمن. فالمموّل هم العرب، والمستفيد من كل ذلك الولايات المتحدة ومصانعها العسكرية.
ولم تكن دول الخليج العربية بعيدة عما جرى ويجري في سورية والعراق، ودعمها المتواصل المكثّف للفصائل المسلحة، والمجموعات المتطرفة، فكانت خزائنها مفتوحة على مصراعيها، تقدم كافة وسائل الدعم المالي والعسكري واللوجستي لها.. حتى جاء الشيخ حمد بن جاسم رئيس وزراء قطر السابق، وزير الخارجية، ليكشف النقاب عن حقيقة ما جرى ليقول بالفم الملآن، إن ما أُنفق على الحرب في سورية وصل إلى 129 مليار دولار بعد «أن تهاوشنا على الطريدة» على حد قوله. ولم تتوقف خزائن دول الخليج العربية عند هذا الرقم بل تجاوزته كثيراً، خاصة بعد ظهور داعش وسيطرتها على أجزاء واسعة من العراق وسورية، وانحسارها في ما بعد، لتبقى على الساحة فصائل إرهابية لا زالت حتى اليوم تتلقى الدعم المالي والعسكري واللوجستي من هنا وهناك.
وما انخراط دول الخليج العربية في الحرب العبثية الدائرة في اليمن، منذ أكثر من ستة سنوات، تحت غطاء التحالف الدولي، إلا ليؤكد مرة أخرى، على حقيقة ساطعة وهي، أن هذه الحرب امتصت مئات المليارات من الدولارات من خزائن دولها، عدا الدمار الهائل الذي أُلحق باليمن وسقوط عشرات الآلاف من ضحايا الحرب، ناهيك عن الأحقاد والكراهية التي خلّفتها الحرب في النفوس، إذ ظل المستفيد الأوحد منها بائع السلاح الأميركي الذي لا همّ له أن تتوقف الحرب ولو بعد سنوات.
دروس الماضي، لا بد أن تعيها دول الخليج، إلا إذا كان قرار الحرب والسلام بيد القوى الكبرى المحركة والموجهة والآمرة والناهية. دول الخليج مدعوّة اليوم للتعاطي مع الأوضاع الراهنة الحساسة الحرجة، بعقلية نيّرة، وبتفهم ووعي كبير وحس وطني قومي لحقيقة ما يجري، وما تريده الدولة العظمى لهذه المنطقة.
إن أي حرب تندلع في الخليج، ستكون وبالاً على الجميع دون استثناء، وستكون مدمرة تدفع ثمنها كل دول المنطقة المنخرطة وغير المنخرطة في الحرب، باستثناء إسرائيل والولايات المتحدة، حيث يدفع صقورها الذين أدمنوا على إشعال الحروب، دول المنطقة إلى الهاوية، ويقرعون طبول الحرب من جديد، والذين تعودوا على نهب شعوب المنطقة زمن السلم كما في زمن الحرب.
بُعيد الثورة أرادت واشنطن من خلال حرب صدام المفروضة على إيران، الإطاحة بالثورة الإيرانية فمُنيت بالفشل. وبعد سنوات أرادت مع رأس حربتها إسرائيل القضاء على المقاومة في لبنان وفلسطين والنظام السوري الذين يشكّلون خطوط الدفاع والاستفراد بهم، تمكيناً لها فيما بعد من الانقضاض على القلعة الإيرانية والإجهاز عليها.
إن أي عدوانٍ تتعرّض له إيران معنيّة به كل القوى المقاوِمة في المنطقة لمواجهته بكل الوسائل، فحذار من الاستفراد بكل جهة، أو الاكتفاء بمشاهدة الحدث والتطورات، فالحرب إذا ما حصلت واحدة لا تتجزأ، ومحور المقاومة لا بد له من وقفةٍ واحدة لمواجهة العدوان، وليتحمّل المعتدون بعد ذلك تبعات ما ينجم عن حربهم.
آن الأوان للعرب وبالذات عرب الخليج، أن يدركوا أن حروبهم التي يتصوّرونها ضرورية لهم، هي في الحقيقة مفروضة عليهم، لم يجنوا منها إلا المآسي والويلات والدمار. ولتتحرر دول الخليج من هذا الواقع المر، وليكن قرارها الشجاع: لا للتبعية والإملاءات، لا للدمار والإفلاس، ولا للحرب القذرة وويلاتها.
آن الأوان لدول الخليج كافة، عربية كانت أم إيرانية، أن تدرك أن أمن الخليج وسلامته لا توفره القواعد العسكرية ولا الجيوش الأجنبية. أمن الخليج لا يُحفظ ولا يُناط إلا بأبنائه. فالقواعد العسكرية والأساطيل وُجدت أصلاً لتأجيج الصراعات والخلافات والترويج للحروب في المنطقة، وإذكاء الفتن فيها وضرب نسيج شعوبها.
هل تدرك دول الخليج حقيقة الأمر، وتقف لتقول بكل جرأة ومسؤولية: لا لحروب أميركا في المنطقة ولسنا بحاجة بعد اليوم إلى المزيد من الدمار وسفك الدماء؟
التفجير السفينه الإسرائيلية حرب نفسية ،المراد منها كسر الخصم ،دون حرب عسكرية شاملة ،لهذا تلازمت تهديدات (بايدن ) وصقور الإدارة الأمريكية ورفع العقوبات والجاهزية العسكرية مع تصريحات بايدن بأن على إيران أن تتصل به للتفاوض . المسالة حرب أرضيتها التفاوض بعد أن يكون الطرف الإيراني منهزما نفسيا كما ترجو الولايات المتحدة الأمريكية .لكن إيران لن تكسر بحرب صلبة ولا حرب نفسية ،الحرب الاقتصادية هي من ستجعل إيران تتعامل بشكل أكثر مرونة ،وأمريكا ستكتفي بهذا في هذه المرحلة من حلقات صراعها مع إيران.
إيران محكومة بالعقل السياسي والفلسفي عبر التاريخ ، ولعل ذلك ناتج عن التحديات والمخاطر التي تعرضت وتتعرض لها الهضبة الإيرانية ،مما يجعل ذلك سمة من سمات الجغرافيا وقوانينها التاريخية ،وانعكاس ذلك على خصائص الأمة الإيرانية ،وطريقة إدارتهم للحكم ومواجهة التحديات الوجودية والثانوية .بمعنى أن إيران تدرس أفضل الخيارات المتاحة ،وتوازن درجات سوئها ،وتتجرع ذلك ولو كان “سما زعافا”.
تعرضت إيران الخميني للعديد من التهديدات والحروب السياسية والاقتصادية والثقافية ،منذ حرب الثمان سنوات مع العراق ،والتي كانت حرب استنزاف للطرفين ،وخلال العقود الأخيرة ازدادت العقوبات الاقتصادية الخانقة ،ومع ذلك يظل اللجوء إلى الحرب العسكرية خيارا تلوح به وتستعد له الولايات المتحدة الأمريكية ،والذي يبلغ ذروته الحركية في تحشيد للقوات البحرية والجوية والتهديد بإرسال أكثر من مائة ألف جندي أمريكي إلى منطقة الخليج، ودعوة أمريكا وفرنسا وبريطانيا وغيرها من الدول الغربية لمواطنيها بمغادرة العراق في حرب نفسية واضحة الأهداف .الغرب يريد انتصاراً دون تكاليف ،ولأن التكاليف ستكون باهظة مع خصم عقائدي مستميت وجغرافية بشموخ واقتدار الهضبة الإيرانية فإن الغرب من وجهة نظري سيعيد التفكير، فهو لن يغامر ما لم تكن إيران قد أصبحت من الضعف ما يجعل الضربة الهوليودية تؤتي أكلها سريعا ،وتساعد نفسيا على تمدد دوائر هيمنتها في وسط وشرق آسيا.
طورت إيران خلال العقود الأخيرة قدراتها العسكرية ،وعززت أمنها القومي داخليا وإقليميا ودوليا .فقدرتها على مجابهة الأخطار أصبحت أقوى بما يجعلها لا تضطر إلى التضحية بمصالحها المشروعة لتتجنب الحرب .فقدرتها العسكرية مرتبطة بقدرة الدولة على حماية مصالحها المشروعة وعدم التضحية بصالحها المشروعة التي تعتبرها لصيقة بأمنها القومي والوجودي. هنا تصبح الحرب قدرا محتوما تخوضه إيران لحماية قيمها الداخلية من التهديدات الخارجية ، فالأمن القومي الإيراني يتمثل بحماية الأمة من خطر السيطرة على مقدراتها بواسطة قوة أجنبية هي الآن الولايات المتحدة الأمريكية ،فمن صميم أمنها القومي أن تكون قدراتها العسكرية للردع جاهزة ،وفي مدى جغرافي تحدده مقتضيات أمن الأمة الإيرانية .
التهديدات التي تواجهها إيران أصبحت ذات طابع عسكري ،بل إن العقوبات الاقتصادية هي في جوهرها إعلان حرب شاملة ،عسكرية واقتصادية وثقافية ،واستهداف لبنية المجتمع الإيراني بغرض بلقنته مذهبيا وعرقيا وجغرافيا ،وهو نهج تؤكده الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة ،ومن ذلك دراسة الإسرائيلي (عوديد يينون) التي نشرها عام 1980م تحدث فيها عن استراتيجية إسرائيل في الثمانيات، تجاه المنطقة ،ويبدو أنها نفذت في العديد من الأقطار العربية ،ولم يبق لتكتمل استراتيجية إسرائيل في المنطقة سوى تقسيم إيران على أسس عرقية ومذهبية وجغرافية ،وتقسيم مصر إلى أقاليم جغرافية تحت وطأة تخصيب الصراع المسيحي الإسلامي.
لذلك لم يعد الأمن القومي محددا بالاستعداد العسكري والقدرة العسكرية للدولة “بل اتسع ليشمل أبعادا اقتصادية وسياسية واجتماعية ونفسية وأيديولوجية
جوهر الأمن الإيراني يتمثل بتماسك للمعتقدات والمبادئ داخل المجتمع، وهذا هو العنصر الأساسي في الأمن القومي ،مع جاهزية وقدرات عسكرية للردع والهجوم الصاروخي في حالة تعرض الأمة والنظام لخطر الاجتثاث “معنى ذلك أن تحقيق الأمن يفترض حدا أدنى من النظام والاستقرار ،وفي غياب تنمية حقيقية فإنه لا يمكن توافر أي منهما .ويصبح الفشل في محاولات التنمية ،بما يترتب عليه من عدم استقرار سياسي واجتماعي ،تهديدا مباشراً لأمن الدولة والمجتمع .ولا يعني ذلك استبعاد البعد العسكري للأمن ،أو دور القوة العسكرية في مواجهة التهديد الخارجي، ولكن المقصود هو وضع القدرة العسكرية في إطارها الصحيح من منظور الأمن القومي. فكما يقول ماكنمارا فإن المشكلة العسكرية ما هي إلاَّ “وجه سطحي ضيق لمشكلة الأمن الكبرى ،فالقوة العسكرية يمكن أن تساعد في توفير القانون والنظام ،ولكن ذلك لا يتحقق إلاَّ بقدر ورغبة أساسية في التعاون من جانب.

عن الكاتب

محمد كاظم خضير

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.