مقالات

ثم أكتفيت..!


سعد الزبيدي * ||

يكاد الصراخ الملجوم والرفض والآهات المكبوتة تسلك طريقها نحو النهاية المحتومة فلا جدوى من أن نصارع ونسبح عكس التيار أو ننتقد الواقع المر حتى بت أشك أن مايجمع بعض الشعوب العربية وحدة الهموم والمصير المظلم المشترك.
هكذا مر قطار عمر آبائي وعمري وعمر أولادي وأحفادي لست متشائما لكنها جزء من الحقيقة المرة التي نعيش.
يمر العمر بمراحل كثيرة محطات كنا نتمنى أن يسرع القطار لننجو بأنفسنا من هول ما أصابنا فيها ومحطات نتمتى أن تتوقف عقارب الزمن عندها فالذكريات فيها رغم مرارتها جميلة ما بين هذه وتلك يفنى العمر ساعة بعد ساعة وتتغير المفاهيم وتتبدل القناعات وشيئا فشيئا تخبو تلك الشعلة المتوقدة ولم يتبق منها سوى أمنيات ضائعة وتلال من ركام وبقايا من رماد السنين رحلة الحياة تبدأ من تشبث بأذيال الحياة ثم عنفوان وسباق للوصول للقمة وساعة تصل هناك تنظر لتجد بأنك كنت تركض وراء سراب خداع وما عليك إلا ترميم ما يمكن ترميمه وأنت تنزل مرغما بأقصى سرعتك نحو النهاية المحتومة.
فهل تبقى لنا في جعبتنا سوى بقايا صور تداعب مخيلتنا المنهكة وصدى أصوات تنبعث من الأعماق؟!!!
يا لتعاستنا كم نحن أشقياء.
لكل جيل قصة وحكاية وما أكثر القصص التي مازالت تصر على أن تهمس في أرواحنا لماذا :- تبدل كل شيء؟!!!
عندما كنا أطفالا نذهب للمدرسة مع أخوتنا أو من يجاورنا في السكن كنا لا نأبه لبرد الشتاء وشوارع إما عبارة عن نهر من طين في الشتاء أو شوارع ترابية ملتهبة في الصيف كنا بالرغم من كل شيء نحب المدرسة ونقدس المدرسين كنا نتنافس من أجل يصفق لنا البقية على إجابة صحيحة كانت الأناشيد الحماسية تبعث فينا عزيمة وإرادة لا مثيل لها ونحن نصدح كل صباح بأناشيد الوطنية والعروبة والتحرير…
لاحت رؤوس الحراب… لبيك ياعلم العروبة…. نحن الشباب لنا الغد…
وكنا نظن أننا سنصل يوما ما القمة حيث عروش التقدم والرفاهية التي وصلتها الأمم كنا وطنيين مستعدين للتضحية بكل شيء من أجل حرية الوطن وكرامته ولكن سرعان ما تبدد الحلم يوم حشرنا عنوة في حروب لا طائل منها وكان الموت يخنق الوطنية ويقتلعها من جذورها وكان السؤال الأوحد:_ لماذا نموت؟
ومن أناشيد لتحرير فلسطين إلى طلقات تبعث في نفوس الأطفال الخوف والرعب وتتلاشى الوطنية الأصيلة لتتحول إلي تملق للقائد الأوحد وبالرغم من الموت الذي حصد ملايين الأرواح لكن القائد كان يظن أن الشعب مستعد للموت من أجل رعونته.
وتهب الرياح بما لا تشتهي السفن ويتهاوى البناء وتتلاشى القيم وصار الخلاص حلم الجميع كنا ونحن نذوق الأمرين من عذابات الدكتاتور نمني النفس أن معارضي الداخل والخارج سيكونون الحل كنا نتخيلهم أبطالا أسطوريين لأنهم كانوا يعبرون عن معاناتنا بمنتهى الحرية وكانت وعودهم بأن يوم الخلاص سينقل العراق من حال إلى حال وتشاء أقدار المخطط الدولي أن يضع بداية النهاية نهاية للدكتاتور الأوحد ونهاية حلم الحرية والديمقراطية والعدل والمساواة حتى ذقنا الويلات وصارت المقارنة بين مرحلتين مقارنة بائسة فيوم كنا نحلم بأن نتحدث فيسمع لنا أحد أصبحنا نتحدث ونحلم بأن يسمعنا أحد.
كنا نتصورهم رجالا خلقوا للمهمات الصعبة فهم على غرار أصحاب الحسين لايهابون الردى يحملون أرواحهم على راحتهم وصوتهم القادم من وراء الحدود :- النصر أو الشهادة وهيهات منا الذلة والقتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة وجباههم التي تدل على عمق إيمانهم وملابسهم التي تدل على زهدهم بالحياة وكأنك ترى أصحاب علي والحسين عليهم السلام فهم زاهدين مناضلين وهم يبتغون لذي العرش سبيلا كنا نحلم بذاك اليوم الذي ستطأ أقدامهم الطاهرة أرض العراق لتطهره من نجس الدكتاتور وأعوانه كنا نسمع عن نتاجهم العلمي والفكري والسياسي وكنا نظنهم ثروات بشرية لا تقارن بثروات العراق الطبيعية فعقولهم تختلف عن باقي العقول وأن دولا أخرى تحتظنهم لأنها تستغل مواهبهم فهم ما إن يلمسوا حجرا حتى يتحول ذهبا وأنهم إن وصلوا لسدة الحكم فحتما سيكون العراق المدينة الفاضلة حيث :- (العدل اساس الملك) صدق الله العلي العظيم كما يقول أحد نوابغهم وترى الرؤساء زهادا كعلي وعمر يلبسون ثيابا مرقعة واخذية بالية بوجوه اتعبتها صلاة الليل وقيامه أجسادهم نحيلة من الصيام كل اثنين وخميس والليالي البيض من كل شهر متواضعين بشوشين بلا حرس ولا حاجب وأن الأرض ستتفجر من تحت أرجلهم لعلمهم بأسرارها الخفية وستفتح لهم خزائن الأرض ببركة الصلاة على محمد وآل محمد وعملهم ووطنيتهم.
وما أن أزيح الكابوس حتى أبتلينا بكاوبيس لا أول لها ولا آخر وكأننا نعيش مسلسلا من القهر اللامتناهي بلا أي أمل في خلاص ممن كانوا يوما ما هم الأمل والخلاص.
فتعدد الطغات وأقحمنا في دهاليز لم نكن نحلم بها يوما فصار المخلص يسكن خلف الكتل الكونكريتية لا يخرج حتى تقطع الشوارع بمواكب زجاجها مظلل وصار الطالب بالحق مترفا ناعما تذكرت ساعتها عبد الملك بن مروان حينما جاءه الرسول يبلغه بأنه أصبح الخليفة وكان لا يفارق المسجد ولا قراءة القرآن وأغلق القرآن وقال :- هذا فراق بيني وبينك وكما هو هم أنغمسوا في ملذات الحياة وتناسوا شعاراتهم بالعدل والمساواة والحرية وكانوا بحق كمن يتكلم بكلام علي عليه السلام ويحيا حياة معاوية.
كأن القدر قال كلمته بحقنا وأصاب اليأس الصغير قبل الكبير وصار القاع والقمة لجميع البائسين شيئا واحدا وأصبحت احلامنا مجرد أشياء عادية لباقي البشر على هذا الكون وكنا نردد قبل أن نودع هذه المأساة :- لماذا خلقنا لماذا نموت لماذا لا نعيش كباقي البشر؟!!!
أية لعنة أصابة هذه الأرض المخضبة بلون الدم التي كتب لها أن تكون دوما أرض النمرود أو أرض علي بابا و٤٠ حرامي؟!!!!
أن تقف في أعلى قمة وتصرخ في أرجاء الكون وأنت تنادي :- لماذا؟!!!
ويعود لك الصدى وتهزأ بك الريح وترميك كسابقيك في وادي النسيان.
ساعتها ستعلم أنك وأبوك وجدك وابنك وحفيدك ستلقون نفس المصير.
فلا حل إلا أن تهرب بعيدا حيث لا هم.\
*الكاتب والمحلل السياسي.

عن الكاتب

سعد كاظم حسين الزبيدي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.