ثقافية مقالات

وقفة بلاغية ..

الكاتب امل الأسدي


د.أمل محمد الأسدي ||

((قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) سورة الحجرات : الآية ١٤
يقدم لنا هذا النص القرآني خطابا له الحضور الدائم والسلطة النصية الأكثر جريانا حتی عصرنا الراهن
لنلاحظ الأمور الآتية:
🔴 الأعراب: مصطلح ارتبط بالبداوة والتصحر والابتعاد عن التحضر والخضوع لسلطة الدولة التي أسس لها رسول الله الأعظم منذ وصوله الی المدينة المنورة،وارسائه القوانين المُدَعَّمة بالنص القرآني التشريعي التفصيلي المتجسد بالسور المدنية،وخط الأعراب والأعرابية ظل مستمرا الی عصرنا هذا ،بل قوي واشتد وبات أكثر وضوحا عن سابقه، فعلی الرغم من التطور المادي الذي شهدته الحياة عموما،إلا أن التصحر الروحي المعنوي بات أشد وأكثر تمظهرا وإيذاء للإنسان الآخر.
🔴 النص يبين ادعاء الأعراب الإيمان،ويأمر الرسول الأعظم بفعل الأمر المباشر(قل) لم تؤمنوا، ولم أداة جزم ونفي وقلب،أي أنها قلبت دلالة الفعل المضارع ،أي أنكم لم تؤمنوا الآن، ولم تؤمنوا سابقا!!!
ثم استمر السياق ليقدم واقع حال لوضعهم، فقال: قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبنا
إذن وضع لي النص دفتين هما الإسلام والإيمان، والإسلام متحقق من قبلهم بدلالة النص القرآني (قولوا أسلمنا) ثم نفی عنهم الإيمان بأداة النفي والجزم (لما) التي تفيد استمرارية النفي من زمن الحدث الی زمن التكلم، فأفاد بذلك استمرارية نفي الإيمان عنهم !!
وبخطاب مباشر وصريح(في قلوبكم)وهذه الكلمة توحي الی المتلقي أن إسلامهم كان عن طريق اللسان وحسب ،وليس عن طريق القلب، ولو كان عن طريق القلب لأصبح إيمانا راسخا ينعكس علی سلوكهم ،إذن بين الإسلام والإيمان نسبة عموم وخصوص مطلق:
١- ليس كلُّ مسلم مؤمنا
٢- وكلُّ مؤمن مسلمٌ
وعلی كلا المعادلتين تترتب النتائج، فالإسلام المنتشر الآن، والمسلمون كذلك ينتمون الی الخط الأول أو المعادلة الأولی، لذلك الأمة الإسلامية تعيش حالة تقهقر ورجعية، وصار الإسلام مقترنا بأعمال القتل والذبح والاستباحة وتكفير الآخر، ففقد أهم سمة ألا وهي الأنسنة.
🔴 من أنسن الحياة العربية؟
الإسلام منهج حياة، واُريدَ له أن يكون دستورا يرتقي بالإنسان ويسعی الی كماله،وهذا لايكون إلا عن طريق التنظيم والتحول من البداوة الی التحضر، ومن القبلية الی الدولة، وهذا يحتاج الی سلطة تنفذ القوانين، ويحتاج أيضا الی روح القانون،فالإسلام دين رحمة ومحبة ومساواة، وعلی هذا أخذ رسول الله ونفسه العلية علي بن أبي طالب علی عاتقهما أن يؤنسنا الحياة، ويقيما دولة الإنسان وينهيا عهد التصحر والبداوة والتفكك والقبلية،إلاّ أن الذي حصل وبعد رحيل الرسول الأعظم(صلی الله عليه وآله)شطت الأمة عن الحق،فعادت الی جاهلية أقسی وأشد من سابقتها!!
عصبية قبلية،وعرقية ،وقومية ،وتصفيات جسدية وفكرية وتسقيط باسم حروب الردة و…الخ
إذن، صار المفهوم السائد هو الإسلام وليس الإيمان!
فالمسلمون يرتبطون بالدين بوساطة الشهادتين وحسب!!
أما السلوك الذي أراده الرسول فقد غُيَّب، وحوصر وحورب من يريد التمسك به،فقُتل من قُتل، ونُفي من نُفي
إذن ،فقد المسلمون الإيمان، فما هو الإيمان؟ ومن هو الإيمان من زاوية أخری؟
قال رسول الله (صلی الله عليه وآله) في معركة الخندق:((برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه)) ورسول الله حين يتكلم ليس كسائر البشر، فهو لاينطق عن الهوی، ثم قوله يخضع لقصدية وهدف منشود،فعلي بن ابي طالب هو الإيمان، ومن دونه يكون الإسلام إسلاما شكليا،وهذا ينطبق تماما علی واقعنا الآني!!
فحين ابتعد المسلمون عمن أنسن الإسلام وسعی لبناء الإنسان من الداخل ، فُرِّغ الدين من محتواه!!
وتتمة الآية تثبت ما ذكرناه،فشريطة القبول هو طاعة الله وطاعة رسوله، والرسول قد وضع للأمة منهاجا واضحا وقال:((إنّي تاركٌ فيكم الثقلين ما إن تَمَسَّكتم بهما لن تضلّوا بعدي: كتابَ اللَّه وعترتي أهلَ بيتي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوضَ))
فهناك شرطان أساسيان ليكون الدين فاعلا مثمرا سليما، متحققا ،قولا وفعلا، كتاب الله، وهو دستورنا الشامل الذي يغطي تفاصيل الحياة ويواكبها!!
والآخر: هو أهل بيت النبوة، ومن دون هذين الشرطين ستظل الأمة حبيسة قوله تعالی:(لاتقولوا آمنا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ …))
إذن: الإسلام بدايةٌ ومفتاح يؤدي الی الإيمان الذي يعود علی الفرد بالثمار الاجتماعية المطلوبة، التي تليق بخليفة الله في الأرض، وتجعل من العبادات سلوكا فعّالا ،يعصم الفرد ثم يحمي الأسرة كلها،ثم يبني المجتمع كله

عن الكاتب

امل الأسدي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.