اسلامية مقالات

لطائف معرفية من نور آل عمران..(١)(مكانة التسليم من الايمان)


د. نعمه العبادي ||

تعد سورة آل عمران من السور العظيمة الزاخرة بمئات المفاهيم واللطائف العرفانية، والتي تشكل بمجملها صورة جدل الايمان والكفر عبر التعرض الى حركة الاصفياء والاولياء، وفي هذه اللطائف نحاول اقتباس بعض من انوار آل عمران الوهاجة.
بعد ان اشارت السورة في الآية (٣٣) الى اصطفاء آدم ونوح وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين، وهو اصطفاء تضمن نبيين لشخصيهما، وآخرين نزل الاصطفاء الى سلالتهما من الآل، وقد كثر النقاش في حدود دائرة الاصطفاء ونوعه وخصوصيته وتساوي رتبة المصطفين من عدهم، واستقرت أهم الآراء على ان المشار إليه في آل أبراهيم، هم الطاهرين من ذريته من طريق إسماعيل، و الآية ليست في مقام الحصر،
و أما آل عمران فالظاهر أن المراد بعمران أبو مريم كما يشعر به تعقيب هاتين الآيتين بالآيات التي تذكر قصة امرأة عمران و مريم ابنة عمران، و قد تكرر ذكر عمران أبي مريم باسمه في القرآن الكريم، و لم يرد ذكر عمران أبي موسى حتى في موضع واحد يتعين فيه كونه هو المراد بعينه، و هذا يؤيد كون المراد بعمران في الآية أبا مريم (عليها السلام) و على هذا فالمراد بآل عمران هو مريم و عيسى (عليهما السلام) أو هما و زوجة عمران.
تعرضت السورة الى بعض الجوانب من قصة مريم وزكريا سلام الله عليهما، وهو ما نتعرض له في هذه اللطيفة.
ابتداءً، تشير الاية ٣٥ الى نذر زوجة عمران دون ان تتعرض لخلفيات هذا النذر، والذي جاء بصيغة غير معهودة، فقد نذرت ان يكون ما في بطنها محرراً لله، وظاهر كلمة محرر هنا، انها تعلن اعفائه من كل الإتزامات تجاهها وتجاه اي شأن دنيوي تقليدي معهود للأهل على الولد، وان يكون هذا المولود بمثابة الوقف الخاص للشأن الإلهي بعيداً عن أي التزامات دنيوية معهودة، لذا قيل انها قصدت ان تجعله خادماً في المعبد، ولهذا كانت في حيرة من أمرها عندما وضعت حملها، وكانت أنثى إلا انها سلمت وامتثلت بعد حوار يظهر عليه التردد، واكتفت بأن تعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم، وهكذا ألقت بمريم المطهرة الى المعبد ليكون زكريا عليه السلام كافلاً لشأنها الدنيوي، وهو ما يشير ضمناً ان مريم ولدت يتيمة الأب، بل لم يذكر التأريخ أخوة لها.
تظهر عناية الغيب في صور متتابعة تعرضها الايات تباعاً، حيث يتفاجئ زكريا من الطعام الذي عبر عنه القرآن بالرزق بين يدي مريم، والتي يعلم قطعاً أنها لا تملك اي مصدر غيره لتزويدها بشؤونها الدنيوية اللازمة وفي مقدمتها الطعام، فيسأل بتعجب: (يا مريم أنى لك هذا؟)، فيكون جوابها أكثر أثارة لتعجبه : (هو من عند الله).
مما لا شك فيه ان كل الارزاق والنعم هي من عند الله جل وعلا، وتصح نسبتها إليه دون اي تجوز، وما الوسائل التي تكتسب بها الرزق إلا وسائط جرت السنن الإلهية على تحصيل الرزق من خلالها إلا ان جواب مريم اشار الى العطاء المباشر بلا واسطة، بمعنى انه لم يأت عبر الوسائط التقليدية للحصول على الرزق، بل تنزل من السماء من عند الله، لذلك استقبت سؤال زكريا المفترض: (وكيف يأتيك بلا واسطة؟)، ليكون جوابها المسكت: (ان الله يرزق من يشاء بغير حساب)، وهي تقرر كلية عظيمة في فلسفة الخلق، ان توزيع الارزاق بأشكالها المختلفة لا يخضع إلى المعادلة المنطقية وفق فهمنا، والتي تفترض أنه:(كلما كان الايمان كبيراً كان الرزق وفيراً)، بل هناك حسبة ربانية مختلفة، كما انه، لا يحتاج لوجود نوع محدد من الاسباب لينزل الرزق بحسبه، وهذا كله لا يتنافى ولا يتقاطع مع وجوب السعي والعمل والبحث والدعاء للحصول على الرزق، ولا عذر لمن يهمل السعي إعتماداً على مقولة (يرزق من يشاء بغير حساب).
وفي سياق الآيات وردت كلمة (هنالك)، وهي اشارة قرآنية متفردة تلفت النظر الى اهمية استثمار محال ومنازل رحمة الله من الازمنة والامكنة المخصوصة في الطلب، لذلك ورد مؤكداً استحباب الدعاء في اماكن وازمنة محددة، فزكريا المؤمن ادرك اهمية اللحظة وخصوصيتها والبقعة التي هو فيها، والتي صارت محلاً خاصاً لتنزل رحمة مخصوصة ورزق مخصوص، فدعا ربه بأن يهب له ذرية طيبة من قرب محراب مريم الذي تنزل فيه رزق الله بغير حساب.
تصور السورة فورية الاستجابة لزكريا بإستعمال (الفاء) في قوله تعالى (فنادته الملائكة…أن الله يبشرك بيحيى…).
ومع ان زكريا هو الذي دعا الله ان يرزقه الذرية إلا انه عاد الى طبيعته البشرية في نكوص لحظوي ليبدي تساؤلاً أمام الاستجابة الربانية، قائلاً: (أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر؟ )، فيأتي الجواب المسكت من الله: (كذلك الله يفعل ما يشاء)..
تنتقل السورة الى صورة جديدة من جدل التسليم تتعلق بمريم هذه المرة، فقد جاءت البشارة من الله على لسان الملائكة : (إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم…..)، فتمس مريم لحظة نكوص تعيدها الى قواعد المألوف لتبدي اعتراضها متسائلة : (أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟)، مع انها عاشت (عملياً) حقيقة، ان الله يرزق من يشاء بغير حساب، وأنها ردت على تعجب زكريا في مرة سابقة بهذا الجواب، وفي كل مرة يأتي الجواب المسكت من الله : (كذلك الله يخلق ما يشاء)، ويضيف في هذه المرة سنة كونية جديدة بالاضافة الى المشيئة المطلقة وهي قوله تعالى: (إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون)، فيظهر ان الايجاد مهما كان متعلق بقوله (كن)، ليأتي الوجود فورياً ودون انفصال (فيكون).
التسليم اذعان واع مبني على اليقين بحكمة وعدالة المسلم له، وهو مقياس الايمان والكمال، وبقدر رسوخه في النفس تتحقق الطمأنينة، وتتهذب الذات، وترسخ القناعة، ويستقيم الحال، وعلى قدره يقاس الايمان، وتعرف المنازل والمقامات، ومن هنا ندرك عظمة علي (ع) من خلال قوله: (والله لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً).
حري بالذكر، ان التسليم لا يساوي الاستسلام، ولا يتقاطع مع البحث والعقل والمعرفة، بل يكتمل بهن.

عن الكاتب

د.نعمه العبادي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.