مقالات

مُجاهدونا وُلِدوا من رَحم المحنة والظلم والألم (3-3)

الكاتب عباس سرحان


عباس سرحان ||

بعد أن تمكّن نظام صدام بقرار دولي عربي من التنكيل بالثوار في وسط وجنوب العراق وإخماد الانتفاضة الكبرى التي اندلعت ضده عام 1991 وحررت كل مدن الجنوب.
ظنَّ أن الامور استتبت له مجددا خصوصا وأنه أعطى الأوامر لأزلامه بإبادة كل من يعتقدون بعدم ولائه للسلطة، واستخدام أقصى درجات العنف والبطش بحق معارضيه.
فكانت الاعدامات تُنفذ في الشوارع بشكل عشوائي، وتعمّد النظام ترك جثث الشهداء ممن يتم اعدامهم في الساحات العامة لعدة أيام، لإرعاب الناس وإيذاء ذوي الشهداء والتعدي على مشاعرهم.
ودُفن آلاف الاشخاص وهم أحياء في مقابر جماعية كُشف منها نحو 350 مقبرة لاحقا، ضمت رفاة أطفال ونساء وكبار سن لم يكن لهم أي دور في الانتفاضة ضد الطاغية، إنما أُعدموا لدواع طائفية لا أكثر.
لكن أماني صدام بالسيطرة على الجنوب ذهبت ادراج الرياح، فالثورة الجنوبية انتقلت من العلن إلى العمل تحت الأرض وتمكنت قوى المعارضة المهمة من إيجاد مقرات علنية لها في مناطق عديدة في جنوب العراق.
وكان حسين كامل صهر صدام وأحد المشاركين في قمع انتفاضة شعبان، اعترف علنا في مؤتمر صحفي بعد هروبه الى الاردن في 1995 بفقدان النظام السيطرة على الجنوب ليلا بفعل قوة المجاهدين.
لاسيما وقد انظم الآلاف من الثوار الذين نجوا من بطش السلطة ولجأوا الى دول الجوار، للحركات الجهادية التي تشكلت سابقا في تلك الدول وبدأت مرحلة جديدة من الصراع مع نظام الطاغية صدام.
وشهدت أهوار الجنوب بعد اسابيع من انتفاضة شعبان تدشين العديد من المقرات الجهادية المسلحة التي كانت مهمتها إسناد الكفاح المسلح والعمل السري في المدن.
ومن أبرز الحركات التي استحدثت لها مقرات فاعلة في اهوار الجنوب مطلع التسعينيات وتمتعت بعلاقات قوية مع السكّان وأصبحت ملاذا للثوار المطاردين من قبل السلطة، هو فيلق بدر( منظمة بدر ) الذي عمل في الجبايش والعمارة والصيكل.
كما أن مجاهدي الثورة الاسلامية في العراق دشنوا مقرات جهادية فاعلة في مناطق مختلفة، من الأهوار، وكانت لحزب الدعوة الاسلامية في منطقة الجزيرة والناصرية مقرات جهادية تدير عملا سريّا كبيرا في المدن، برغم الظروف الصعبة التي واجهت المجاهدين.
أما في زورة آل جويبر القريبة من قضاء سوق الشيوخ في الناصرية، فأسس سيد حمزة الموسوي حركة 15 شعبان .
وكانت هناك مقرات أخرى لحركات جهادية عديدة في الطار والعدل وغيرهما، وتمكنت هذه المقرات من ادارة عمل جهادي كبير وأطاحت برؤوس بعثية مهمة من بينها اعضاء في القيادة القطرية لحزب البعث.
وصدت مقرات المجاهدين مجتمعة هجمات عنيفة لقوات النظام آنذاك الأمر الذي دفعه الى تجفيف الأهوار والقضاء على بيئة تاريخية زاخرة بالحياة مثّلت نمطا فريدا للحياة في الأدغال والمستنقعات.
ولم يعرف المجاهدون في مقرات الاهوار على مختلف مسمياتهم الفرقة والاختلاف بل كانوا يدا واحدة ضد الطاغية وجمعهم هدف واحد وهو الانتصار للمظلومين من ابناء شعبهم وبشتى السبل.
وكثيرا ما شهدت عمليات المجاهدين تنسيقا بين مقراتهم واستعان بعضهم ببعض، ونفذ مجاهدو فيلق بدر والثورة الاسلامية وحزب الدعوة و15 شعبان عمليات مشتركة هزّت عرش النظام وقتها وكانت مثالا للوحدة والتنسيق المشترك.
وقد يتساءل نفرٌ هذه الايام عن سبب لجوء المجاهدين في الحركات الاسلامية الى السلاح في مواجهة النظام البائد، مدّعين أن الكفاح السلمي أو السياسي هو الطريق الأفضل للتغيير.
وغالبا ما يتم ترديد هذا السؤال على ألسنة البعثيين لأهداف تسقيطية يريدون منها تشويه صورة الاحزاب الاسلامية العاملة في الساحة اليوم والطعن بتاريخها، ويكرر شباب قليلو التجربة والخبرة ولم يشهدوا تلك المرحلة الدامية من تاريخ العراق هذه المغالطات عن حسن نية.
ونقول ليس غريبا أن يلجأ المجاهدون الى الكفاح المسلح لملاحقة البعثيين ممن تسببوا بقتل عشرات الآلاف في انتفاضة شعبان وحدها، فضلا عن جرائمهم فيما سبق الانتفاضة.
فحين لا تحترم السلطة حق التظاهر ولا تذعن لمطالب المواطنين وتتخذ قرارات تدميرية ترقى الى مستوى الجرائم الانسانية التي الحقت الدمار والخراب بالوطن والناس وضيعت حياة جيلين من العراقيين.
فليس أمام الأحرار الا مواجهة هذه السلطة بالاسلوب الذي تعرفه، فكما هي تستخدم العنف ضد الشعب فللشعب حق اللجوء الى السلاح ليدافع عن نفسه، خصوصا وأن السلطة لم تأت عبر صناديق الانتخابات إنما جاءت بانقلاب عسكري دامٍ.
ولم تكن هناك فرصة لاجراء انتخابات حتى يتشبث الناس ببصيص أمل في التغيير، فالنظام ديكتاتوري طاغ لايجيد الا لغة القوة، وليس كحال العراق اليوم حيث كفل الدستور حق التظاهر، ومكّن المواطنين البالغين من الادلاء باصواتهم وانجاز التغيير السياسي ان ارادوا التغيير حقا.
لقد قطع العراق شوطا مهما في الخلاص من الديكتاتورية وكان للشهداء والمجاهدين دور مهم في تخطي تلك المرحلة الدامية المليئة بالألم والمآسي.
ولكن القوى الدولية والاقليمية المعادية لم تترك العراقيين وشأنهم وعادت لتتحكم بقرار العراق وسيادته وثرواته وهي مرحلة بالغة الخطورة تتطلب موقفا واعيا وحاسما وتنسيقا عميقا بين القوى الوطنية المجاهدة لانقاذ العراق من الهيمنة الخارجية.
ــــــ

عن الكاتب

عباس سرحان

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.