ثقافية مقالات

كاميرا برزخية تغطي الحدث..!

الكاتب امل الأسدي


د.أمل الأسدي ||

أخذت الكاميرا وهرعت إلی مكان الحادث،وأنا في الطريق كنت أفكر:مستشفی يحترق؟! أليس المستشفی مكاناخدميا آمنا، يُحرص عليه، ويُعمل علی إدامته،ويُتابع يوميا، فهو مكان تأوي إليه أرواح الناس الفارة من المرض والألم!
أين يكون الأمان؟
في هذا الأثناء ظهر طفل أمام السيارة يشير بيده أن توقفوا، ركنّا السيارة جانبا،فتحت النافذة:
ـ ماذا تريد “عمو”
يبكي ويشير بيده أن تعال معي
نزلت فتمسك بيدي وأخذ يسحبني ويشير بيده الی بيت قريب،فاستجبت له،وذهبت معه،توقفت في الباب،وجثوت علی ركبتي:
– بني، ماذا تريد؟ لماذا لا تتحدث؟ هذا بيت من؟
فازداد بكاؤه،لم اقاوم هذه الدموع المنحدرة علی خديه،ولم أقاوم وجهه الملائكي الحزين،دخلت معه، وما إن وصلت باب المنزل الداخلي، دفعني أحد ما من الخلف،فسقطت في مكان مظلم،لا أری فيه أي شيء، ولكني أسمع أصواتا غريبة، صراخ وعويل واستنجاد، فأدركت أني أوقعت نفسي في مأزق كبير وخطير!
في هذه اللحظة انتبهت إلی أني ملتصق بشيء رطب لزج،رائحته عفنة!
نهضتُ وأنا أتمسك بالكاميرا،وأحاول استخراج جوالي كي أشغِّل المصباح إلاّ أني لمحت بصيص ضوء بعيد،فذهبت اتجاهه وأنا أحرِّك قدميّ بصعوبة وحذر بسبب لزوجة المكان!
وصلت الی حيث الضوء،فإذا بباب كبير يُفتح لي،دخلت فركض نحوي جمع غفيرٌ من البشر، كلهم يتوسلون بي :
ـ أنت صحفي؟ سجل شكواي،سجل معاناتي
قلت لهم : سأسمع منكم كلكم، واحدا تلو الآخر
لاتقلقوا
كانت وجوههم محروقة،شعرت بكسرتهم،وأجسادهم نحيلة ترتجف،وفي أطراف الغرفة توجد أسرة، رجعوا جميعهم الی أسرتهم،إلا هذا الرجل الكبير،جلس في وسط الغرفة،افترش الأرض وهو يئن!!
جلست قبالته : شبيك حجينا؟
ـ بوية اولادي ماكو؟ جينا سوه،آنه وهمه وامهم
ـ وين اجيتوا حجي؟
ـ هنا،كالولنا هاي هية،صفيناكم من كل الضيم،بعد ما تحتارون،لاتفكرون بكهرباء ولاتفكرون بعيشة،ولاتبجون علی وليدكم الشهيد علي!
شو من وصلنا، عزلونا،آنه وحد وهمه أخذوهم لغير مكان! هسة انه شسوي؟ ابجي علی علي لو ابچي عليهم؟
رفعت كاميرتي لألتقط له صورة، فأمسك بيدي قائلا: لاتصورني بوية،ماتشوفني شلون محروگ؟ما اريدن احد يشوفني بهالحال!
فسكّنته وقلت له لا تقلق،سأبحث عن أولادك وأمهم.
ثم قصدت امرأة مسنة، تجلس علی سريرها وتتمتم بصوت جنوبي كناي حزين يشكو غربته إلی الله!
– ما بك أمي؟
ـ ياهو الظل الهم بعد؟
ـ من تقصدين؟
ـ اولاد ابني،امهم تزوجت،وآنه لامتهم، ثلث بنات واخوهن،شلون راح يظلون وحدهم؟
ليش ترضی ربي؟
لم أستطع النطق ولو بكلمة واحدة،اختنفت بعبرتي ورفعت عيني،علني أبصر السماء!!
بعدها اتجهت لطفل يجلس وحيدا في الزاوية،جلست جنبه،ماذا بك حبيبي؟
ـ أريد أمي،قالت لي: سأشتري لك دراجة كبييرة حين تتعافی هي من كورونا
ثم أخذ يصرخ، أمي أمي أريد أمي
قلتُ له:اهدأ، سأبحث لك عن أمك،اهدأ ولاتبك
ثم التفت الی شاب صامت يضرب السرير بكفه ويهز رأسه،قلت له مابك؟
ـ لن تستطيع مساعدتي
ـ حسنا أخبرني علني أقدر!
– لن تستطيع
ـ أخبرني فقط
ـ زوجتي الثانية،تنتظر مولودا، ولايعلم أحد بزواجنا!!
كنت أنتظر ولادتها كي أعلن عن زواجنا وأخبر زوجتي الأولی!!
المسكينة يتيمة،توسلت بي كثيرا كي أعلن زواجنا،وأنا الأحمق كنت متهاونا!!
ماذا ستفعل الآن؟ يا الله…..
وقفت محتارا،هنا عشت اليأس،أدركت معناه الحقيقي،أين أقف؟ ومن هولاء؟ومن سلبهم حقوقهم؟
ياربي،أين أنا؟ يا الله…
أبكي ودموعي لاتخفف عني لحظتي الثقيلة!!
في هذه الآونة صرخ رجلٌ:تعال… تعال
تقدمت نحوه، نعم،ماذا تريد؟
ـ أنا استلمت عشرة ملايين من جيراني كي أعمِّر لهم منزلهم خلال هذا الشهر،فأصبت بكورونا وجئت هنا للعلاج!!
الآن لن أستطيع إكمال العمل،وأخاف أن لايعيد ابني المال إليهم، هل تستطيع إخباره؟ لم يسبق لي أن أكلت دينارا حراما!!
هل تستطيع إخباره؟
لم أستطع الرد عليه،فثمة عصف في داخلي يروم الإنفجار!! ماذا أفعل؟ يا الله….
صرت أصرخ يا الله يا الله
فإذا بيد تدفعني ،يد من نور،تخرجني،ومعنی يخترقني،اُخرج من هنا،سينتقلون الی محطة أخری،محطة مخصصة لهم،فاخرج ولاتخف عليهم!!
خرجت وأنا أرتعد،شعرت أني بنصف عقل،وبقلبين يغليان!!
الباب الذي أمامي مغلق،وتصدر منه أصواتٌ مخيفة،وصوت مدو كصوت المواقد القديمة أو كصوت التنور في الأفران،دفعت الباب قليلا، رأيت شخصا، يطبّق الملابس،شكله مخيف،يقطِّب حاجبيه، عضلاته مفتولة،قال لي: ماذا تريد؟
قلت له: جيء بي الی هنا
أنت ماذا تفعل؟وما هذا المكان؟
ـ هذه جهنم
قلت له متعجبا ومشككا: جهنم؟!
ـ قال : نعم، لو كان ممكنا لأطلعتك عليها، لكن لن تحتمل رؤيتها،ولن تحتمل رائحتها!!
– حسنا،وماذا تفعل؟
ـ أصفف ملابسهم
ـ ملابس
ـ نعم،هذه الليلة مأمورون بتنفيذ الأحكام
ـ بحق من؟
ـ بحق من سلبوا أنفاس هولاء الناس الذين كنت تبكي عليهم!!
واذهب من هنا قبل أن يمسك شيء من ريح جهنم
ـ حسنا،سأذهب ،لكن أخبرني،ماهذه الملابس ؟
ـ لأناس عاقبناهم
ـ ولماذا تصففها اذا كانت لهم؟
ـ حسنا، اسمع ولاتعقِّب:
هذه الملابس اشتكت الی الله، قالت:
ماذنبي إن كان من يلبسني مجرما؟!
ربي، لاتذلني،ولاتجمعني بهم ولاتعذبني!!
فأحرقناهم لوحدهم من دون ملبس!! واُخرج بسرعة قبل أن تلفحك ريحهم!!
هيا اُخرج… فقد تعالت أصوات السياسين وانتشر الشرار!! اخرج..
دفعني بقوة وأخرجني ومن شدة ذهولي واضطرابي تعثرت،فوقعت علی وجهي،ولم أشعر إلاّ والطبيب يفيقني،نجوت بأعجوبة من الحريق،الحمد لله علی سلامتك!

عن الكاتب

امل الأسدي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.