دراسات و بحوث مقالات

إدارة الأزمة وبناء المستقبل . ( الجزء الأول )


سعد الزبيدي * ||

إن ما يمر به العراق اليوم هو منعطف خطير فمع الفشل المتواصل للمنظومة السياسية وعدم ملائمة النظام السياسي للمجتمع العراقي وربما بسبب عدم نضوج القاعدة الجماهيرية من جهة وفشل السياسيين في فهم الديمقراطية وقصورهم الفكري في التعاطي مع الواقع والتحديات الخطيرة التي تهدد العراق حكومة وشعبا يحتم على جميع تظافر الجهود لعبور هذه المرحلة المفصلية .
إن الوضع العام ينبيء بكارثة تلوح بالأفق الطامة الكبرى أن ممتهنين السياسة لم يستشعروا حجم الخطر المحدق بالعراق ومازالوا يعيشون حالة الانفصال عن الواقع وانفصام الشخصية مابين التصريحات والقناعات والأفعال ومازالوا مصرين على عدم النزول من برجهم العاجي ومازالت عيونهم لا ترى هتافات الجماهير وتضرب بكل النصح المقدم لها عرض الحائط.
ومع مرور الوقت تكبر الهوة مابينهم كسياسيين وما بينهم وبين الجماهير .
نحن نعلم أن مصير البلد مرهون بعدد من الأشخاص أما البقية فما هم إلا بيادق يحركونها هؤلاء كيفما شاءوا وأن هؤلاء المتحكمون مصابون بعقد شتى تمنعهم أن يكونوا قادة بحق فعدم الثقة بالنفس والمزاجية والهوائية والأنانية وعدم النضج الفكري والجهل بالسياسة وفن الإدارة عقد إمكانية إلتقاء هولاء عند نقطة جامعة تصب في مصلحة الوطن لأن مصلحتهم الضيقة تمنعهم من ذلك.
إن الشعوب التي لا تمتلك رؤية مستقبلية وتعجز عن إدارة بلد سوف تبقى شعوبا متخلفة حتى لو امتلكت شتى أنواع المواد الطبيعية وامتلكت أنهارا من ذهب .
نحن أحوج ما يكون لرجال دولة يتقنون فن الإدارة ولديهم القدرة على التخطيط ومواجهة التحديات الآنية والمستقبلية وتوقع الأسوء وإيجاد الحلول لكل طاريء وحساب التطورات في زيادة الأعداد ومايترتب عليه من حاجة لزيادة الخدمات والتوسع العمراني وتلبية حاجة المواطن في جميع المجالات .
إن بناء دولة بحاجة إلى آصرة قوية تجمع أفراده ألا وهي آصرة المواطنة ودستور يشجع على تقوية هذه الروابط كي ينصهر الجميع في هذه البوتقة ويكون الانتماء هو المفضل على الانتماء الديني والمذهبي والقومي والعشائري والمناطقي وهنا يكمن سرا آخر في فشل الحكومات العراقية فدستور مكوناتي يؤطر ويعمق الانتماءات الفرعية والجانبية يكرس الانتماء للمكون ويجعله الأول والمفضل على الانتماء للوطن ولعب الاحتلال وجهات خارجية وداخلية على هشاشة العلاقة بين المكونات ودعمت التباعد وعدم الثقة حتى فقد الفرد الثقة في نفسه وفي شركاء الوطن الذين كانوا متعايشون منذ القدم .
كثيرا ما نقرأ في مادة الاجتماعيات أن مصادر القوة والثراء هو التنوع في تضاريس البلد الواحد والقائد الحقيقي هو من يحول هذا التنوع إلى مصدر قوة ولكننا للأسف الشديد ونظرا للضعف الذي أصيب به العراق وحالة الهوان وجدنا حالة التقوقع والانكماش كانت طاغية على المشهد العراقي الذي تميز طويلا بهذا التنوع الفسيفسائي الجميل .
بعد ما مضى على مرحلة التحويل ١٨ عاما لابد لنا أن نشخص العلل ونصف الدواء لكل الأمراض التي أصيب بها العراقيون والتي انعكست على العراق فأصيب بالضعف والهوان .
إن غض النظر والقفز على العقبات وترحيل الأزمات وتعقيد الملفات وحالة التشرذم والضياع لن تصب في مصلحة العراق ومن يريد أن يبحث عن الحل لابد أن يسمي الاشياء بمسمياتها وينظر للموقف مبتعدا عن التطرف والتعصب المذهبي والقومي والحزبي لذلك لابد أن يكون التشخيص وطنيا خالصا لايبغي سوى الرفعة والسؤدد للعراق المفدى .
إن التنصل عن الواجب الوطني هو جريمة كبرى وإذا أردنا أن نبني عراقا قويا فلابد من لم الشتات وتحطيم كل الحواجز والعمل على وحدة الوطن وهذا بحاجة إلى خطوات قد تكون صعبة وربما تكون مثالية أو خيالية في نظر الكثيرين .
إذن ما هي الحلول الناجعة للخروج من هذه المتاهة والعودة بالوطن قويا معافى يكون قدوة ويضرب فيه المثل ويشار له بالبنان في الوحدة والتآخي ومواجهة التحديات والصعاب ؟!!!
قد أختلف مع القذافي رحمه الله في كثير من تصرفاته ولكني كنت أجد فيه حكيما عندما قال :- ( من تحزب خان).
وقد اقتنعت أخيرا بعد الفوضى التي ضربت العراق أن هذه العبارة لابد أن تكتب بماء الذهب ويجب أن تدرس فهناك فرق شاسع ما بين الخلاف والاختلاف والاختلاف سنة الله في خلقه ولكن عندما يتحول إلى خلاف فسوف توصد كل أبواب التواصل وتعلن القطيعة .
إن نظام الحكم الذي تناوله الفلاسفة وعلماء الإجتماع وعلماء الإقتصاد وتناوله الكثير من أصحاب الاختصاص بالبحث هو سبب في نجاح قوم وفشل آخرين ولكن نجاح هذا النظام أو ذاك يعتمد على طبيعة المجتمع بكل حيثايته فتركيبة المجتمع ومدى وعيه وحالته الاقتصادية ومكوناته وموروثه ومعتقده كلها قد تكون سببا في نجاح نظام ما وقد تكون سببا في فشله .
إن الفكر الإسلامي لم يقدم لنا صورة واضحة عن طبيعة الحكم الناجح وترك أمور الحكم لمبدأ الشورى ولذلك نجد على مر التأريخ الاسلامي هناك حاكمين حاكم سياسي ومرجعية دينية وكثيرا ما لعب الحاكم السياسي الدورين لذلك وأدت المجتمعات الإسلامية فكرة الشورى ومضت على سنن الأمم الماضية من حكم ملكي فردي حتى ولو اختلفت المسميات .وبعد الانفتاح على الغرب ومجيء الاستعمار ونتيجة حالة التخلف التي عاشتها الأمة العربية والإسلامية تأثر هذه المجتمعات بكل أفكار الغرب وراحت تقلده في كل شيء نتيجة الانكفاء والظلم الذي عاشته الشعوب العربية والإسلامية قرونا طويلة قبيل الاحتلال الغربي لبلدانهم .
كانت النكسة كبيرة عندما دخل التتار وحطموا الإمبراطورية الإسلامية وكانت الضربة القاضية عندما ودع العرب الاندلس وودعوا السيطرة على البحار .
إن نظام الحكم بعد سايكس بيكو كان منقسم إلى قسمين فأما نظاما ملكيا أو نظاما عسكريا وكانت الأنظمة الملكية متناغمة مع التوجه البريطاني والأمريكي فيما بعد وكانت الأنظمة العسكرية الثورية متناغمة مع الاشتراكية التي تقف ضد الرأسمالية الأمريكية .
وهنا عجز العقل العربي عن ابتكار نظام حكم يتلائم مع طبيعة الشعوب وانتماءها الديني وموروثها الفكري وتركيبتها الاجتماعية .ولم يبذل جهدا في. اختيار اسهل الحلول لاستيراد نظام حكم من الخارج ظنا منه أن ما يصح لغيره يصح له .
الباحث في الشأن السياسي العراقي يجد أن عدد الأحزاب السياسية تجاوز ال٢٠٠ حزبا منها أحزاب قومية متمثلة بالأحزاب الكردية وحزب البعث وأحزابا دينية أغلبها شيعية وكذلك سنية وأحزاب وطنية وهناك أحزاب شيوعية واشتراكية وعلمانية ومدنية .
وبعيدا عن الأحزاب الكردية التي تتفق في شعاراتها وأهدافها وتعمل من أجل انتزاع حقوق أكثر للقومية الكردية .نجد أن معظم الأحزاب العربية الدينية الشيعية والسنية والعلمانية ترفع نفس الشعارات ونفس الأهداف وإن اختلفت الأساليب وهنا يجب أن نضع علامة استفهام كبيرة هل وجود مثل هذا العدد من الأحزاب في بلد لا يتجاوز عدد نفوسهم ٤٠ مليونا حالة صحية أم مرضية ؟؟؟
أنا أعتقد أن هذا هو أحد أسباب عدم فهم الديمقراطية وإساءة تطبيقها فهذا العدد يدل على حالة التشرذم والانشقاق وعدم الثقة مابين المتاجرين بالسياسة والممتهنين لها وبتحليل بسيط نجد أن هذا العدد يعكس الكثير من العقد النفسية لهؤلاء وكلهم يريد أن يصبح قائدا ولا يريد إلا أن يكون في الصف الأول ويحلم بالوصول لسدة الحكم سالكا طريق الغاية تبرر الوسيلة .
وهنا مربط الفرس فما حاجتنا لهذا العدد من الأحزاب ومن يقف وراءها وماهي مصادر تمويلها ؟!!!
الجواب ليس بمعضلة فحالة الفوضى بعد ٢٠٠٣ والفساد والسرقات جعل من البعض امبراطوريات مالية تسعى للوصول بقوة البرلمان بحثا عن حصانة لها تحتمي به وتمارس به سرقاتها تحت حماية القانون .
وهناك أحزابا ممولة من جهات خارجية لغايات معروفة حتى أصبحت هذه الأحزاب تمثل مشروعا ما لجهة خارجية .
وهكذا تدهور الأمر حتى وصلنا إلى قناعة بأن العراق محكوم بشركة متعددة الجنسيات وكل مساهم يبحث عن زيادة رأس ماله على حساب بقية الشركاء .
لذلك فشلت الأحزاب التي ناضلت ضد النظام السابق وتفككت عندما وصلت الحكم بعد أن تاجرت بمظلومية الشعب ورفعت شعار الحرية والعدل والمساواة وإذا بها تسلك ذات الطريق من أجل البقاء في السلطة وهنا لاحظنا انقسام الحزب المجاهد الواحد إلى أحزاب شتى وانفرط عقد أحزاب كانت متحالفة عقودا من الزمن والكل يلهث وراء الكرسي بحثا عن حصته في الكعكة وثبت بما لا يقبل الشك أن هناك بونا واسعا ما بين النظرية والتطبيق فما بين أيدينا سياستنا وسياساتنا فاشلة وبين أيدينا اقتصادنا واقتصادنا متهالك لابد إذن من تشخيص الخطأ والخلل .
إنه في الشخصية إنها أمراض وعقد شتى تتحكم بالشخص لايستطيع التحرر منها .
لذلك من الغريب جدا أننا نجد أن بعض ممن يمتهن السياسة مازال يتعاطى مع الأمور بعقلية المعارضة فهو يتعامل مع الشعب وكأنه عدو لا يثق به ويتعامل مع أقرانه السياسيين من نفس المنطلق حتى نسي أنه يشرع وأنه من يقرر مصير هذا الشعب .أن حالة الفوضى دفعت بكثير من غير المؤهلين لقيادة البلد فكانت نتائج وخيمة البعض تعامل مع المنصب كغنيمة لسرقة مقدرات البلد محتميا بالجنسية الثانية حتى غاب الولاء للوطن وصار غنيمة يتقاسمها من هب ودب من أدعياء المعارضة كل ذلك أدى إلى هشاشة في الجانب الأمني رافقه تدهور في البنية التحتية وغياب تام للخدمات وتفاقم الأزمات وكان الشغل الشاغل للأحزاب هو كيفية الوصول لقبة البرلمان والاستيلاء على الوزارات والدرجات الخاصة لسرقة المال العام من أجل تمويل أحزابها حتى أصبح الفساد ثقافة وأصبحت محاربته ضربا من الخيال وهدد وجود البلد نتيجة الإخفاقات وسألت أنهارا من الدماء البريئةودمرت مدنا وهاجر الكثير وهجر آخرين وتم خطف واغتيال واسكات المعارضين .ثم دخل على الخط أصحاب الأموال ممن أثروا من عقود مع المحتل أو عمولات أو صفقات مشبوهة والجميع يحلم بالكرسي ويدفع من أجله الأموال الطائلة وهو يعلم جيدا أنها تجارة وفرصة ذهبية لن تتكرر وأن كل دينار سوف يعود عليه بألف .
وبين هذا وذاك ضاع الوطن وأصبح في مهب الريح .
إيجاد مخرج أصبح أمرا صعبا جدا ولكنه ليس بالمستحيل .
كثيرا ما أشبه حالة العراق بسفينة متهالكة قديمة وسط محيط مع أمواج تسونامي .
لست متشائما ولكنها الحقيقة المرة فالحل هو بحاجة إلى معجزة إلهية وربان يستطيع أن يدير الدفة حتى يصل بالسفينة إلى شاطيء الامان .
أنا على يقين أن الله لن يتركنا في هذه المحنة وأنه سيكون معنا ( كن مع الله يكن معك ).
إذن لنبحث عن ربان وطني قوي شجاع حكيم نزيه لديه رؤية مستقبلية يستطيع أن يعيد الأمور لنصابها يضرب بيد من حديد لا تأخذه في الحق لومة لائم .
……….
نهاية الجزء الأول .
* كاتب ومحلل سياسي .

عن الكاتب

سعد كاظم حسين الزبيدي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.