ثقافية مقالات

المقاصدُ الضائعة..في الأغلاطِ الشائعة(44)

الكاتب محمد الجاسم


إعـداد : محمد الجاسم ||

” تَعَلَّموا العربيَّةَ.. وعَلِّمُوها النـاسَ” ـ حديثٌ شريف
تزخرُ لغتُنا العربيةُ المعاصرة بكمٍّ هائلٍ من كلماتٍ دخيلةٍ أو مغلوطةٍ أو محـرَّفةٍ . وبمرورِ الزمنِ والتداولِ اليوميِّ على الألسنِ وفي الكتب الرسمية والمخاطبات العامة ووسائل الإعلام والصِّحافة والرسائل الجامعية ومنجزات المبدعين الأدبية ويافطات أسماء الدوائر والمحالّ التجارية وعيادات الأطباء وغيرها، قد تسللت إلى لغتنا خلسة، حتى أصبحت من فرط تناقلها واستخدامها شائعةً ومقبولةً لدى القارئ والسامع ، ورسخت في الأذهان وانطلت على المتداولين إلا لذوي التخصص، فأمست المقاصدُ ضائعة ، في خضمِّ الأغلاطِ الشائعة.
لذلك أعددت لكم أحبتي ـ لمناسبة شهر رمضان المبارك من العام 1442ـ ثلاثين حلقة جديدة من سلسلة تصويباتٍ منتخبة، امتداداً لحلقات رمضان العام 1441، واستكمالاً لعمودي اللغوي الذي واظبت على تحريره زمناً في صحيفة (المصور العربي) التي أصدرَتْها جمعيةُ المصورين العراقيين في بغداد أواسطَ ونهايةَ التسعينات من القرن العشرين تحت عنوان (إضاءةٌ في التراث).
(44)
ـ العاصفات والعواصف !!
يكثر تداول كلمة (العواصف) جمعاً لكلمة (العاصفة)، وهذا ليس صحيحاً.. إنما هي جمع (عاصف)، ويقصد بها الريحُ ، الشديدة سريعة الهبوب، و(عاصف) على وزن (فاعل) وبصيغة المذكر تقال للمؤنث أيضاً.. كقولنا امرأة (حائض ـ حوائض)، (طالق ـ طوالق)، (ثاكل ـ ثواكل) ، (حامل ـ حوامل).. دون أن تلحق بها تاء التأنيث المربوطة. قال تعالى:
” جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ” يونس 22، وعلى لغة بني أسد، أعْصَفَتِ الريحٌ، فهي مُعْصِفٌ ،أي شديدة الهبوب.
أما (العاصفات) هي صفة للحوادث التي تحمل معها الشدة والهلكة.. كالحروب والزلازل والكوارث، كقول الشاعر أحمد محرم:
” عصفتْ بهم أيدي الردى فكأنَّما … عصفتْ بريحانِ الرياضِ رياحُ “
وأما قوله تعالى :
” فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً ” 2 المرسلات ،فلعلها تشمل ، في بعض التفاسير ، الملائكةَ التي يرسلها الله تعالى، وصفها بالمبادِرة لأمره، وسرعة تنفيذ أوامره، كالريح العاصف، ولا أظنها (الرياح) التي وصفها تعالى بالعواصف وليس العاصفات كما بيّنّا.
ـ هل تجتمع ( صٌنَّاعُ الكتابة ) مع ( وُضَّاع الترقيم ) ؟؟؟؟؟؟؟
” نَحْنُ أبناء وادِي الرافدينِ، مَوْطِن الرُسُلِ وَالأنبياءِ، وَمَثْوىَ الأئِمَةِ الأطْهَارِ، وَمَهد الحضارةِ، وَصُنَّاع الكتابةِ، وَرواد الزراعة، وَوُضَّاع التَرقيمِ. عَلَى أرْضِنَا سُنَّ أولُ قانُونٍ وَضَعَهُ الإنْسَان ” ، ورد هذا النص في أول سطرين من ديباجة الدستور العراقي النافذ. وفيه أول غلطة لغوية وقع بها كاتب نص الدستور، وثمة غلطات سواها أخرى.
يصاغُ من وّزْنُ المفرد (فاعل) وَزْنُ الجمعِ ( فُعَّال ) ،فنقول (صائم ـ صُوّام)، و(قارئ ـ قراء)، و(كاهن ـ كُهّان)، وهكذا، كلمة (واضِع ـ وُضَّاع) ، والوَضْعُ: ضدّ الرفع، وضَعَه يَضَعُه وَضْعاً ومَوْضُوعاً، أي تركه ونبذه، والموضِعُ: مصدر قولك وَضَعْتُ الشيء من يدي وَضْعاً وموضوعاً، أي تركته ولم يعد في يدي. والوَضِيعُ: الدَّنِيءُ من الناس، يقال: في حسبَه ضَعةٌ وضِعةٌ .قال تعالى :
” وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ” 60 النور ،يضعن ، أي يتركن ويُزِحْنَ الثياب الخارجية كالملاءة أو العباءة.
ودَيْنٌ وضِيعٌ: مَوْضُوعٌ.. أي متروك لامُطالب به. عن ابن الأَعرابي: ” وفي الحديث: من أَنْظرَ مُعْسِراً أَو وَضَعَ له أَي حَطَّ عنه من أَصْلِ الدَّيْنِ شيئاً. “
والتواضُع ، هو التذلل والتنازل.
فهل عَلِمَ كاتب الدستورالعراقي هذه المعاني السلبية للوضع والواضع والوُضَّاع، كي يلقي بهذه التهمة الكبيرة على العراقيين بأنهم (وَضَعُوا) الترقيم..كان الأفصح والأصوب والأبلغ أن يقول : كُتَّابُ الترقيم..ومُثَبِّتوه..وراسموه..ومبتكروه..وسواها من الألفاظ اللائقة المناسبة.

ورُبَّ قول ..أنفذُ مِنْ صَوْل..

عن الكاتب

محمد الجاسم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.