مقالات

قد حذرت المرجعية الدينية العليا من مخاطر المحاصصة

الكاتب حسين فرحان


حسين فرحان ||

المحاصصة المقيتة.. بهذه الكلمة وصفت احدى خطب الجمعة في الصحن الحسيني الشريف جانبا مهما من جوانب الفشل في ادارة الدولة، بل جاء هذا اللفظ في كثير من الخطب بشكل منفرد أو مقترن بالفاظ اخرى كالفساد والمحسوبيات مع تصنيف لهذه المحاصصة فهي تارة حزبية وتارة طائفية وأخرى فئوية، وتارة مع هذه الالفاظ الثلاثة في جملة واحدة لتكون (محاصصات طائفية فئوية حزبية).
لقد سلطت المرجعية الدينية العليا الضوء على هذا العرف السيء الذي أسس له منذ العام 2004 حين أقر ما يسمى ب (قانون الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية) لتعلن رفضها له وتبين مثالبه وتحذر من مغبة أن “يكرس الطائفية والعرقية في النظام السياسي للبلد ويعيق اتخاذ أي قرار في مجلس الرئاسة الا بحصول التوافق بين الاعضاء الثلاثة وهي مالا تتيسر عادة من دون وجود قوة أجنبية ضاغطة- كما وجدنا في حالات مماثلة- والا يصل الأمر الى طريق مسدود ويدخل البلد في وضع غير مستقر وربما يؤدي الى التجزئة والتقسيم لا سمح الله”.
كان هذا النص مقتبسا من رسالة موجهة الى السيد الاخضر الابراهيمي صادرة عن مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله في النجف الاشرف جوابا على رسالة منه تستوضح موقف المرجعية الدينية من الدور القادم للامم المتحدة في العراق فتضمنت في جانب منها موقف المرجعية العليا من قانون ادارة الدولة الانتقالي حينها.
لقد عرف عن المرجعية الدينية قرائتها واستشرافها للمستقبل وايمانها العميق بالكثير من الثوابت التي تحافظ من خلالها على المصالح العليا للشعب العراقي، وأن من أهم المخالفات التي ارتكبت بحق هذا الشعب هو اعتماد القوى السياسية على هذه المحاصصة ومحاولة التأسيس لها كثابت سياسي في ادارة شؤون البلد رغم عدم ورود نص دستوري يقر ذلك لكنها ارادة القوى السياسية الممسكة بزمام الحكم منذ سنوات، ورغم أن تداول السلطة يجري عن طريق الانتخابات التشريعية، الا أن الشروع بالعمل المحاصصاتي يبدأ بمجرد تكليف أشخاص بتسنم المناصب وبمستوى الرئاسات للسلطات الثلاث المهمة نزولا لأدنى المناصب في الدولة، لتترتب على ذلك نتائج كارثية كان استشراء الفساد المالي والاداري في مقدمتها.
لذلك ركزت المرجعية الدينية ومن خلال منبر الجمعة على التطرق لهذا الامر المهم وعدم السكوت عن التذكير بخطورته وفي مناسبات عدة وبالتزامن مع احداث مختلفة شهدت اخفاقات حكومية كثيرة كانت المحاصصة من مسبباتها ان لم تكن أهمها، وسنورد بعضا مما جاء في هذه الخطب لبيان أن المرجعية العليا قد شخصت هذا الداء ونصحت من بيدهم القرار الى التخلي عن هذه السياسة المرتجلة التي لم تخضع يوما لارادة جماهيرية ولم ينص عليها شرع أو قانون فكانت ممارسة حزبية طائفية فئوية مقيتة بكل ما تحمل الكلمة من معنى:
1- خطبة الجمعة 19-10-2012 ” ان المحاصصة هي احد المشاكل الاساسية في تعمّق الازمات وتعطيل القوانين ومنها قانون المحكمة الاتحادية العليا كما ان المحاصصة في العراق انطبع عليها طابع تغليب المصالح القومية والمذهبية والاثنية الضيقة على مصالح الشعب العراقي فحينما نتابع التشريعات الصادرة من مجلس النواب نشاهد هذه المحاصصة التي بدأت تنتشر التي تغلب حتى ان الحضور في مجلس النواب والمصادقة على بعض القوانين حسب ما تقتضيه مصلحة القومية والطائفة والحزب والكتلة والمنطقة حتى طُبعت المحاصصة وبدأت هيمنتها في الكثير من المناصب العليا في البلاد فالعضو في هذه المحكمة سيتماشى ويخضع لمصالح حزبه وطائفته وكتلته وبهذا سوف تشل حركة المحكمة وتعطل القوانين”.
2- خطبة الجمعة 6-11-2015 “إنّ إصلاح المنظومة الحكومية في البلد الذي يستدعي اعتماد مبدأ الكفاءة والخبرة والنزاهة في تسنّم المواقع والوظائف الرسمية بدلاً عن المحاصصات الحزبية والطائفية والإثنية إضافةً الى مكافحة الفساد ومحاسبة المفسدين وتخفيض النفقات غير الضرورية التي هي كثيرة ومتنوّعة، كلُّ ذلك مطالبُ شعبية محِقّة وأمور أساسية لا غنى عنها لمعالجة الأوضاع المتأزّمة والمشاكل الكبيرة التي يُعاني منها الشعبُ العراقي كالبطالة وسوء الخدمات وازدياد نسبة الفقر وغيرها”.
3- خطبة الجمعة 14-7-2017 “إنّ مكافحة الفساد الإداري والمالي وتجاوز المحاصصات الطائفيّة والفئويّة والحزبيّة واعتماد مبدأ الكفاءة والنزاهة في تسنّم المواقع والمناصب ضرورة وطنيّة قصوى، ولا فرصة أمام العراق للنهوض من كبوته مع استمرار الفساد بمستوياته الحاليّة واعتماد مبدأ المحاصصة المقيتة في إدارة الدولة”.
4- خطبة الجمعة 27-7-2018 ” طالبت المرجعيّةُ الدينيّة بأن يكون القانون الانتخابي عادلاً يرعى حرمة أصوات الناخبين ولا يسمح بالالتفاف عليها، وأن تكون المفوّضية العُليا للانتخابات مستقلّة كما قرّره الدستور ولا تخضع للمحاصصة الحزبيّة، وحذّرت من أنّ عدم توفير هذين الشرطين سيؤدّي الى يأس معظم المواطنين من العمليّة الانتخابيّة وعزوفهم عن المشاركة فيها”.
5- خطبة الجمعة 14-6-2019 “ولكن بعد أن وضعت الحرب أوزارها وتحقّق الانتصارُ المبين وتمّ تطهير مختلف المناطق من دنس الإرهابيّين دبّ الخلاف من جديد -مُعلَناً تارةً وخُفْياً تارةً أخرى- في صفوف الأطراف التي تُمسك بزمام الأمور، وتفاقم الصراع بين قوى تريد الحفاظ على مواقعها السابقة وقوى أخرى برزت خلال الحرب مع داعش تسعى لتكريس حضورها والحصول على مكتسبات معيّنة، ولا يزال التكالب على المناصب والمواقع -ومنها وزارتا الدّفاع والداخلية- والمحاصصة المقيتة يمنعان من استكمال التشكيلة الوزاريّة”.
6- خطبة الجمعة 4-10-2019 “إنّ المرجعيّةَ الدينيّةَ العُليا طالما طالبت القِوى والجهات التي تُمسك بزمام السُّلطة، أن تغيّرَ من منهجها في التعامل مع مشاكل البلد، وأن تقومَ بخطواتٍ جادّة في سبيل الإصلاح ومكافحة الفساد، وتجاوز المحاصصة والمحسوبيّات في إدارة الدولة، وحذّرت الذين يُمانعون من الإصلاح ويراهنون على أن تخفّ المطالبات به –راهنت- بأن يعلموا أنّ الإصلاح ضرورةٌ لا محيص منها، وإذا خفّت مظاهرُ المطالبة به مدّةً فإنّها ستعود في وقتٍ آخر بأقوى وأوسع من ذلك بكثير”.
7- خطبة الجمعة 25-10-2019 “وهناك العديد من الاصلاحات التي تتفق عليها كلمة العراقيين وطالما طالبوا بها، ومن أهمها مكافحة الفساد وإتّباع آليات واضحة وصارمة لملاحقة الفاسدين واسترجاع أموال الشعب منهم، ورعاية العدالة الاجتماعية في توزيع ثروات البلد بإلغاء أو تعديل بعض القوانين التي تمنح امتيازات كبيرة لكبار المسؤولين واعضاء مجلس النواب ولفئات معينة على حساب سائر أبناء الشعب، واعتماد ضوابط عادلة في التوظيف الحكومي بعيداً عن المحاصصة والمحسوبيات، واتخاذ اجراءات مشددة لحصر السلاح بيد الدولة، والوقوف بحزم امام التدخلات الخارجية في شؤون البلد، وسنّ قانون منصف للانتخابات يعيد ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية ويرغّبهم في المشاركة فيها”.
8- خطبة الجمعة 8-11-2019 “إنّ أمام القِوى السياسيّة المُمسكة بزمام السلطة فرصةً فريدةً للاستجابة لمطالب المواطنين وفق خارطةِ طريقٍ يُتّفق عليها تُنفّذ في مدّةٍ زمنيّة محدّدة، فتضع حدّاً لحقبةٍ طويلة من الفساد والمحاصصة المقيتة وغياب العدالة الاجتماعيّة، ولا يجوزُ مزيدُ المماطلة والتسويف في هذا المجال؛ لما فيه من مخاطرةٍ كبيرة تُحيط بالبلاد”.
9- خطبة الجمعة 15-11-2019 ” إنه بالرغم من مضي مدة غير قصيرة على بدء الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاح، والدماء الزكية التي سالت من مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمصابين في هذا الطريق المشرِّف، إلا انه لم يتحقق الى اليوم على أرض الواقع من مطالب المحتجين ما يستحق الاهتمام به، ولا سيما في مجال ملاحقة كبار الفاسدين واسترجاع الاموال المنهوبة منهم والغاء الامتيازات المجحفة الممنوحة لفئات معينة على حساب سائر الشعب والابتعاد عن المحاصصة والمحسوبيات في تولي الدرجات الخاصة ونحوها، وهذا مما يثير الشكوك في مدى قدرة أو جدية القوى السياسية الحاكمة في تنفيذ مطالب المتظاهرين حتى في حدودها الدنيا، وهو ليس في صالح بناء الثقة بتحقق شيء من الاصلاح الحقيقي على أيديهم”.
10- خطبة الجمعة 20-12- 2019 “واذا تمّ إقرار قانون الانتخابات على الوجه المقبول يأتي الدور للنخب الفكرية والكفاءات الوطنية الراغبة في العمل السياسي لتنظم صفوفها وتعد برامجها للنهوض بالبلد وحلّ مشاكله المتفاقمة في إطار خطط عملية مدروسة، لكي تكون على إستعداد لعرضها على الناخبين في أوان الانتخابات، ويتم التثقيف على التنافس فيها لا على أساس الانتماءات المناطقية او العشائرية أو المذهبية للمرشحين بل بالنظر الى ما يتصفون به من كفاءة ومؤهلات وما لديهم من برامج قابلة للتطبيق للعبور بالبلد الى مستقبل أفضل، على أمل أن يقوم مجلس النواب القادم والحكومة المنبثقة منه بالدور المطلوب منهما في إجراء الإصلاحات الضرورية للخلاص من تبعات الفساد والمحاصصة وغياب العدالة الاجتماعية في المدة السابقة”.

عن الكاتب

حسين فرحان

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.