مقالات

ابن الاربعين..من الصولة الى الدولة


حافظ آل بشارة ||

(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ…) اربعون سنة مرت على تأسيس بدر ، بدر من الفصيل الى السرية الى الفوج الى اللواء الى الفرقة ثم فيلق بدر ، ثم منظمة بدر ، بدر من الترابة الى ام النعاج الى الحويزة الى هور صلين والحمار والجزيرة ، الى الصالحية الى اطراف الكوت والى اواسط بغداد ، ومن جبل شمران الى دربندخان وحلبجة وجبال قرداغ الى زردلي كاو الى دريوار ، شهداء بدر يحتضنهم جبل قرداغ العظيم ، كما تحتضن لبوة خرافية اشبالها المقطعين ، الليوث يرقدون هناك في حضن الجبل بسلام ، الليوث يرقدون على مشارف البصرة ايضا يعطرون شط العرب في مساره الابدي ، الليوث يرقدون في جنتهم في وادي السلام يتصدرهم ابو مهدي المهندس ، بدر ازدهر كحاضنة سماوية تصنع هياكل الشهداء ، قمم بشرية نادرة بمستوى ابو حسين الهاشمي ، ابو طارق البصري ، ابو الخير ، الدكتور ابو سجاد ، الدكتور ابو اسراء ، ابو ظاهر ، ابو ذر الخالصي ابو احمد الخالصي ، ابو مهاجر ، ابو علي الخالصي يزدحمون في الذاكرة ازدحام نجوم في ليلة ظلماء ، نتذكر شجاعتهم ، عبادتهم ، السيماء الملائكية الفريدة التي تغلف وجوههم بنور لا يراه الا من يعرف القصة من اولها (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) ابو ميثم الصادقي ابو ايوب البصري ، سيد جعفر الموسوي ، ابو محمد الطيب ، ابو لقاء ، علي فكري ، عبد الله شاهر ، احمد الخفاجي ، ازدحام هائل من النجوم في ذاكرة ليل عراقي كموج البحر القى سدوله .
بدمائهم اشتغلت ماكنة الاقدار وسنن الكون في الغيب لتسحق الطاغية ، بتلك اللوعة وبليالي الدعاء والمناجاة بعث الله عليه عاصفة الصحراء ، وعاصفة ثانية وثالثة حتى تدحرج كجرذ مذعور في قاع الحفرة النتنة ، بقدسية تلك الدماء حاكمه العراقيون واقتصوا منه ، كنا نعتقد ان لعبة بناء الدولة اقل شأنا عند الرجال من خوض اللعبة مع الموت التي تنتهي باستشهاد يعيد صياغة الرجل الى مايشبه نجم لامع في ظلماء تأريخ امته ، كنا نعتقد ان اللعب مع الراجمات والكيمياوي والتوماهوك وحقول الالغام ودبابات الليزر وطائرات الشبح اصعب بكثير من لعبة بناء دولة ما ، لكن عندما بدأ التغيير السياسي عرفنا انه المسار الاصعب ، فاقتضت حكمة الباري اعادة بدر الى زمن الصولة في مواجهة داعش ليتذكر الرجال ثانية معنى الانتقال من الصولة الى الدولة ، واذا كانت المعارك المدوية تكشف عن خلجات صغيرة في حنايا القلب ، فان بناء الدول عمل يعيد تفتيت قلوب الرجال ليكشف جواهرها ويعلن الزوايا المظلمة التي لا يراها الا الصادقون ، ان تشارك في الصولة وانت تغالب الموت في لعبة خاطفة ومكشوفة التفاصيل ، والرصاص المذنب يريك سلم العروج الى القمة شيء ساحر ، لكن معركة الرجال في مشروع دولة ، قيادة دولة ، تقسيم الغنائم في دولة ، ان تخطب وتأكل وتشرب وتدخن على المخمل مع قرود الدولة ، شركاء المشروع الذي لا وجود له ، هذه التمثيلية التي تشارك فيها بين مصدق ومكذب لا تريك سوى سلالم الهبوط الى درك تحفه الظلمات (لا يؤمر أحد على عشرة فما فوقهم إلا جيء به يوم القيامة مغلولة يداه) انها هوة لانتاج الظلام والعفونة ، هذه هي اصول اللعب وقوانينه ، ليس هناك اي خطأ ، لكن على اللاعب ان يفهم طقوس اللعبة الجديدة ومنزلقاتها اللذيذة ، وابل الرشق المذنب الذي كان يرسم لك سلالم العروج في الصولة ، هو نقيض كامل لوابل الظلام الذي يريد ان يلقي بك في المستنقع اللذيذ ، الفرق كبير بين القمة والمستنقع ، اذا اردت ان تبلغ القمة التي حلمت بها ولم تلحق بقافلتهم العطرة المودعة بالحان الشجون ، العب لعبة الدولة بعقلية الصولة ، لكي تعثر على السلالم في الظلام لترتقي ولتفهم ماهي القصة التي تجعلك من رجال الارتقاء ، واعلم مصدقا ان مباراة الشجعان العاشقين مع الرصاص عندما يفوزون يكونون شهداء ، لكن مباراة الشجعان الصادقين مع مزالق الحكم ان فازوا اصبحوا ائمة نعم ائمة هذه هي الحكاية.

عن الكاتب

حافظ آل بشارة

كاتب عراقي مخضرم وباحث بالشأن السياسي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.