مقالات

السياسي والشارع؛ من يقود من؟!

حركات التغيير الناجحة تأريخيا، هي تلك التي تنجح بتغيير الانسان، وليس فقط انظمة الحكم. والحركات الإصلاحية التنويريّة، تكتسب صفتها هذه، لا تُغير نظام حكم، بقدر ما تُطيح بعقلية وثقافة سلطويّة، مُنتشرة في المجتمع.

من هذا المنظور، يمكن القول بان ما حصل من تغيير في العراق، على مدى ستة عشر عاما، منذ الإطاحة بنظام القهر الصدامي، لم يكون رؤية نتائج كبرى له على الأرض، لا على صعيد تغيير الأنسان، أو على صعيد العقلية السياسية أو الإدارية القائمة.

ما حصل في بلدنا يبدو لأول وهلة هائلا، لكن الحقيقة أنه لا يمكن رؤية إنجازات التغيير في ثقافة المجتمع، إلا بعد سنوات على حصول التغيير، وذلك لأن الثقافة تتغيّر بأساليب، تختلف عن أساليب تغيير السياسات والأنظمة، ولأن التغيير الثقافي هو في نهاية المطاف تغيير لعقل ولرؤية للعالم، وليس فقط لأساليب حكم الدولة أو تقنيات أدارة المجتمع.

إن الثقافة الشعبية العامة، لا يمكنها أت تنتج تغييرا إيجابيا مؤكدا، ما لم توجه التوجيه الصائب، والدليل على ذلك أن تلك الثقافة؛ لم تستطع أن تغير بطبيعة النظام الصدامي، أو تحد من همجيته، برغم أنها قدمت تضحيات جسيمة، لكنها تضحيات ذهبت أدراج الرياح، وبعضها طواه النسيان، بل يمكننا القول أن الثقافة الشعبية نفسها، بدت في زمن النظام الصدامي القمعي، وكأنها عماد الديكتاتورية والسلطوية، في الدولة والمجتمع؟!

بيد أننا سنكون متجنين إذا أنكرنا حدوث تغيرات مهمة، لكن معظمها أختلط مع الأسف سلبيها بإيجابيها، وأكل يابسها أخضرها، وسبب ذلك؛ أنها إعتمدت بشكل أساسي على الحس العفوي، وعلى الحراك غير المنظم، مستلهمة مصادرها السهلة والقريبة، والموجودة في الثقافة الشعبية العامة، ولذلك لم تبرز قوى سياسية منظمة، تقود الحراك المجتمعي الجديد.

يكشف ذلك عن خلل كبير، في عقلية القوى المتصدية للمشهد السياسي، في مرحلة ما بعد التغيير، وليس ثمة من دلائل على أن هذه القوى، كانت تمتلك برنامجا لما بعد التغيير، حتى ولو كان بالعناوين العامة، وليس بالتفاصيل الممنهجة!

يكشف ذلك أيضا؛ عن أن هذه القوى ليست على إطلاع عميق، على واقع المجتمع العراقي، وبعضها كان يصوغ أهدافه، وفقا للثقافة الشعبية العامة، بفوضويتها وعبثيتها ونهاياتها السائبة، بل بدى بعضها متبنيا للفوضوية كمنهج، لأنه نفسه أتي من ثقافة شعبية جاهزة، وليس من مشروع سابق، وبدلا من أن يوجه تلك الثقافة، نحو صياغات وأهداف بعيدة المدى، فإنه خضع لها!

كلام قبل السلام: يعني ذلك أن معظم القوى المتصدية؛ لا تمتلك مشروعا جاهزا بعيد المدى، وقلة منها تمتلك إطارا للمشروع فقط، تاركة التفاصيل للأيام تصنعها!

 سلام.

عن الكاتب

قاسم العجرش

كاتب وإعلامي عراقي ـ بغداد/ رئيس التحرير

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.