مقالات

مقاربات تاريخية بين حيثيات الصلح الحسني والاتفاق النووي

لا غنى للباحث والمفكر عن الخوض في اعماق التاريخ لاستكشاف الواقع وتوقع المستقبل ، والصلح الحسني من اكثر المواد التاريخية ثراءا ومنفعة للمفكرين والباحثين والساسة على مر التاريخ.
الصلح الحسني كان ضرورة فرضتها الاوضاع الاجتماعية انذاك فمعاوية المتلبس بلبوس الدين كان يصلي ويصوم ويحج ويزكي ، ولو ان الامام الحسن عليه السلام اصر على القتال ، فان النتيجة الوحيدة لقتاله هي ظهوره تاريخيا بمظهر الباغي الذي شق عصا المسلمين وقاتل خليفة صالحا ، مع ان عدد انصاره كان قليلا وجيشه مخترقا ، كان الصلح هو الوسيلة الوحيدة لفضح معاوية واظهار مكامن الشر في شخصيته ، ونؤكد هنا ان الامام الحسن عليه السلام يعلم علم اليقين بأن معاوية لن يطبق اي شرط من الشروط التي كتبت في وثيقة الصلح ، وهذا هو اكبر دليل على كذب معاوية وفسقه وخيانته للعهد ، فهل يجرؤ مؤرخ او باحث اليوم ليقول ان معاوية قد وفى ببنود العهد وانه كان امينا ووفيا ؟؟
اظهرت الفترة الطويلة التي قضاها الفريق الايراني والتي امتدت لعدة سنوات الجدية الايرانية في ابرام اتفاق نووي ثابت وفعال ، واستطاعت ان تظهر امام الدول الخمسة صدقها والتزامها ووفائها باعتراف اوروبا وروسيا وحتى بعض الدبلوماسيين الامريكان ، في ذلك الوقت كان الامام الخامنائي نصره الله يقول انه غير متفائل بهذا الاتفاق لكنه سيسمح بتوقيعه وهذه هي الحكمة الحسنية ، فلو ان ايران رفضت المفاوضات انذاك فستظهر امام بقية الاطراف بأنها هي التي تبحث عن المشاكل وارباك الامن الدولي ، ولذلك استطاعت ايران ان تسدد رميتها بطريقة ماهرة وابرمت اتفاقا شاملا مع الاطراف الدولية وجعلت مجلس الامن الدولي شاهدا عليه ، الادارة الامريكية وقت ابرام الاتفاق النووي كانت شبيهة بحكومة معاوية فهي تظهر دبلوماسية رصينة وهدوءا اعلاميا حتى ذهب البعض في تفائله كثيرا فتصورها الملاك الذي يحمي العالم ويبحث عن السلام الدائم….. ترى كيف كانت ستفتضح امريكا في ذلك الوقت ، كان رفض توقيع الاتفاق سيعطي المبرر القانوني لامريكا وتحالفها المشؤوم من الاعتداء على ايران في الوقت غير المناسب حيث ايران مشغولة في اكثر من ميدان ولن تتمكن الاطراف الاخرى من الوقوف الى جانبها وسيكون الاعتداء عليها مشرعن دوليا عن طريق مجلس الامن الدولي.
خلاصة ما تقدم ان ابرام الاتفاق النووي يشبه الى حد كبير اتفاق الصلح مع معاوية من حيث ظروف ابرامه وان الحكومة الامريكية انذاك تشبه الحكومة الاموية التي يرأسها معاوية .
هل انتهت القصة الى هنا… لا لم تنتهي فكما ان صلح الامام الحسن عليه السلام انتهى الى تأسيس ظروف النهضة الحسينية فالمقاربات التاريخية تثبت ان الاتفاق النووي سيكون له نفس التأثير الذي سبق لصلح الامام الحسن عليه السلام….
لاحظوا ان قصة كربلاء بدأت مع انتهاء عهد دبلوماسية معاوية وتصنعه التدين ، وظهور الدولة الاموية بصورتها الحقيقية بلا تصنع ولا تمثيل وكان ذلك عند تسلم يزيد الاخرق مقاليد الحكم ، ويزيد يختلف عن ابيه كثيرا فهو واضح وصريح ولا يخفي شيئا ولا يفهم من الدبلوماسية والسياسة كبيرا ولا صغيرا ، ولذلك رأى الامام الحسين عليه السلام ان استحقاقات صلح الامام الحسن قد ان اوانها وان البذرة التي بذرها اخاه قد اثمرت وحان وقت قطافها ، وهذا تماما ما يحدث الان فترامب الاخرق اظهر الوجه الحقيقي للادارة الامريكية بطريقة انهت كل التمثيل والتصنع الذي كان يستخدمه من سبقه ، وانسحب بصورة مفضوحة من اتفاق دولي بموجب قرار اممي واطراف تمثل الدول العظمى في العالم ، فاصبحت امريكا هي المعتدي والباغي وليس ايران واصبحت ايران امام استحقاق قطف ثمار صبرها الستراتيجي ، وانقلبت الامور بحيث ان اوروبا وروسيا والصين رفضت الانسحاب من هذا الاتفاق وتوترت الامور بينها وبين امريكا.
هذه المقاربة التاريخية لو اردنا ان نربطها ببعض الروايات لوجدنا ان رواية خروج اهل المشرق تمثل وصفا دقيقا لاحداث الاتفاق النووي الذي لم تكتمل فصوله بعد ولا انسى وصف احد الرايات التي تدخل الملف السوري بأنها راية حسنية والله تعالى اعلم

عن الكاتب

حيدر الطائي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.